شهد عام 2016 انطلاق أولى سنوات اعتماد أهداف التنمية المستدامة من قبل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، مدعومة بالتزام اتفاق باريس بالحد من الاحترار العالمي. وبينما يلجأ مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إلى استرجاع صورهم ومنشوراتهم القديمة لاستشراف المستقبل، يطرح قطاع النشر سؤالًا لا يقل إلحاحًا: ونحن نقف اليوم في عام 2026، ما الذي ينبغي أن نفكر فيه بشأن أجندة أهداف التنمية المستدامة لما بعد عام 2030؟
أولًا، علينا أن نُذكّر أنفسنا بأن العالم في عام 2030 سيبدو على الأرجح مختلفًا كثيرًا عن التصوّر الذي رُسم له في عام 2016. فقد أظهر تحليل حديث صادر عن «فريق العشرة» المعني بالعلوم والتكنولوجيا والابتكار التابع للأمم المتحدة أن أهداف التنمية المستدامة نجحت خلال السنوات العشر الماضية في إرساء لغة موحّدة لمناقشة التحديات المشتركة عالميًا. فأصبحت المربعات السبعة عشر الملوّنة — أو الدائرة الشهيرة — معروفة في كل واحدة من الدول الأعضاء الـ191 في الأمم المتحدة، وفي المدارس والمكتبات والفضاءات العامة. وقد أسهم ذلك في ترسيخ أولوية التنمية المستدامة، وتوجيه النقاشات نحو قضايا المساواة والاستدامة والشمول.
غير أن التقييم ذاته يؤكد أيضًا أن التقدم كان متفاوتًا، وأن تحقيق مستهدفات عام 2030 لن يتحقق تلقائيًا. ويشدد على أن العلوم والتكنولوجيا والابتكار يجب أن تكون في صميم أي جهد لتسريع التقدم، لا على المستوى النظري فحسب، بل في التطبيق العملي أيضًا. والأهم من ذلك، يشير التحليل إلى فجوة تتجاوز الابتكار التكنولوجي، تتمثل في الحاجة إلى مقاربات تتمحور حول الإنسان وتعالج السلوك والحوكمة والديناميات الثقافية. فليست الاستدامة تحديًا تقنيًا فقط، بل تحدٍ مجتمعي أيضًا. ومن دون فهم كيفية تلقّي المجتمعات للأدلة العلمية وتفسيرها والعمل بها، فإن أقوى الابتكارات قد تعجز عن إحداث أثر فعلي.
وتنسجم هذه الرؤى بشأن مستقبل أهداف التنمية المستدامة انسجامًا وثيقًا مع الدور الذي يمكن — بل ينبغي — لجميع الناشرين، في مجالات النشر التجاري والتعليمي والأكاديمي، أن يؤدوه في مرحلة ما بعد 2030. فبوصفهم قيّمين على المعرفة والسرديات، يتمتع الناشرون الأكاديميون والتعليميون بموقع فريد لردم الفجوة بين المعرفة العلمية والفهم العام. أما في مجال النشر التجاري، فيمكنهم إبراز التفكير المستدام، وإتاحة المنصات للقصص والأعمال الأدبية التي تتناول القضايا الجوهرية، وتعزيز التعاون الذي يدعو إليه إطار أهداف التنمية المستدامة. وسواء عبر تسليط الضوء على أبحاث رصينة، أو دعم سرديات شاملة، أو مكافحة المعلومات المضللة التي تقوّض الثقة بالعلم، فإن النشر قادر على الإسهام في صياغة أجندة لما بعد 2030 تكون أكثر تركيزًا، وأكثر خضوعًا للمساءلة، وأكثر قدرة على التكيّف مع تعقيدات العالم.
ويتجلى مثال قوي على هذا الالتزام في العمل المستمر الذي يقوم به الاتحاد الدولي للناشرين بشأن أهداف التنمية المستدامة. فقد انطلق من سؤال بسيط لكنه بعيد الأثر: كيف يمكن إشراك الجميع في أجندة أهداف التنمية المستدامة، بدءًا من الأجيال الأصغر سنًا؟ وكان أحد الأجوبة إطلاق نوادي قراءة للأطفال تتمحور حول أهداف التنمية المستدامة. وقد صُممت هذه المبادرة لإثارة الفضول والتعاطف والعمل تجاه التحديات العالمية. فمن خلال تعريف القرّاء الصغار بقصص تتناول تغيّر المناخ والعدالة الاجتماعية والاستدامة، تسهم هذه البرامج في تنشئة جيل يدرك ترابط العالم ويشعر بالقدرة على الإسهام في إيجاد الحلول.
وما بدأ كنادٍ عالمي للكتاب حول أهداف التنمية المستدامة ألهم لاحقًا إطلاق فروع محلية متعددة، مما يبرهن على قدرة البلدان على تكييف الإطار مع سياقاتها الثقافية الخاصة. فقد ظهرت فروع في أنحاء إفريقيا، وفي دول من بينها البرتغال والبرازيل والنرويج وإندونيسيا وهولندا وألمانيا، بما يعكس كيف يمكن لمجتمعات النشر الوطنية أن تتبنى الأجندة، وتعبّئ الشركاء المحليين، وتصل إلى جماهير جديدة.
غير أن دعم أهداف التنمية المستدامة لا يقتصر على نشر كتب الأطفال، بل يتطلب التزامًا على مستوى القطاع بأكمله. وهنا تظل «اتفاقية الناشرين لأهداف التنمية المستدامة» حجر الزاوية في العمل الجماعي، إذ تدعو الناشرين إلى تجديد التزامهم بإعطاء الأولوية للتنمية المستدامة في عملياتهم واستراتيجياتهم التحريرية. ومن خلال التوقيع على الاتفاقية، يعلن الأعضاء التزامهم بدمج أهداف التنمية المستدامة في قرارات النشر والممارسات المؤسسية وأنشطة التواصل، بما يسهم في تعزيز الزخم واستدامة الأثر.
ولا يقل أهمية عن ذلك خلق مساحات للحوار المستمر داخل منظومة النشر نفسها. فمعارض الكتب الدولية هذا العام ليست مجرد أسواق تجارية، بل منتديات حيوية للنقاش حول التنمية المستدامة، وتبادل المعرفة، ودور النشر في تشكيل المجتمع. فهي تتيح للناشرين والمربين وأمناء المكتبات وقادة الفكر فرصة تبادل الأفكار، وعرض محتوى مبتكر، وضمان بقاء النقاش حول أهداف التنمية المستدامة حيًا وشاملًا ومتطلعًا إلى المستقبل. ويُظهر مؤتمر الاستدامة السنوي في فرانكفورت عامًا بعد عام كيف يمكن للعمل الجماعي والحوار أن يدفعا هذه الأجندة قدمًا.
وهكذا، فإن المهمة المطروحة أمامنا ليست مجرد تمديد أهداف التنمية المستدامة، بل إعادة صياغة رؤية للتنمية المستدامة تكون راسخة في الأدلة، عادلة في أثرها، ومقنعة في سرديتها — رؤية يمتلك قطاع النشر مؤهلات فريدة للإسهام في تحقيقها.