عندما بدأتُ العمل في عالم القراءة والكتب عام 1999، أذكر أن أحد أول قراراتي كان السفر إلى لندن للقاء الجهات التي قادت «السنة الوطنية للقراءة» في عام 1998، من الوزارات إلى المؤسسة الوطنية لمحو الأمية وغيرها من المنظمات. وفي العام ذاته، دعونا مفوضة البرنامج، ليز أتنبره، وأتذكر أنني دونت بعضًا من ملاحظاتها، وكان أبرز ما أشارت إليه هو الاختراق المهم المتمثل في رفع الوعي بمستويات الأمية المنخفضة. وبالطبع، كانت تلك الاستراتيجية مختلفة تمامًا عن التي طبقناها بين عامي 2001 و2004 من خلال وزارة الثقافة الإسبانية، لكنها قدمت نموذجًا عن الطيف الواسع من المشاريع — الكبيرة والصغيرة — التي نُفذت خلال «السنة». كما كان من المفيد للغاية الاطلاع على تقييمهم لبعض برامج المبادرة ومشاركتهم لهذه الخبرات معي.
وتحمل هذه المبادرة الجديدة في إنجلترا بُعدًا سلوكيًا واضحًا، إذ يختصر شعارها «If you’re into it, read into it» إعادة صياغة استراتيجية للمفهوم: فبدلًا من تقديم القراءة بوصفها قيمة أخلاقية بحد ذاتها، تربط الحملة القراءة بالشغف القائم بالفعل لدى الأفراد — كالرياضة، والموسيقى، والألعاب الإلكترونية، والموضة، والطعام، والتاريخ المحلي… وهو نهج تسويقي لطالما دافعت عنه: الترويج للقراءة باعتبارها نشاطًا مرتبطًا بما تحب القيام به أو بما يثير اهتمامك، وربطها بشغفك واحتياجاتك وأنشطتك الترفيهية المفضلة. وبهذا المعنى، تسعى «السنة الوطنية للقراءة» مرة أخرى — كما حدث في 1998 — إلى إزالة الحواجز الثقافية وتقليل العوائق التي غالبًا ما تنفّر القرّاء المترددين. وتقوم الفرضية الأساسية على أن التفاعل ينبع من الإحساس بالصلة؛ فإذا ارتبطت القراءة بالهوية والاهتمامات الشخصية، فمن المرجح أن يتبع ذلك ازدياد في وتيرتها.
ومع ذلك، يختلف عام 2026 عن الحملات الوطنية السابقة في جانب حاسم: فهو يأتي في ظل اقتصاد انتباه رقمي مكتمل الأركان. فهذه هي السنة الوطنية الثالثة للقراءة في المملكة المتحدة، بعد عامي 1998 و2008، لكنها الأولى التي تنطلق في عصر الهواتف الذكية، ومنصات البث التدفقي، وقبل كل شيء، الذكاء الاصطناعي التوليدي. المنافسة على الوقت أصبحت شرسة؛ وعادات الترفيه باتت أكثر تشتتًا؛ وكثيرًا ما تشير الأسر إلى نقص الوقت، وصعوبة الوصول، وضعف الثقة كعوائق أمام القراءة. وبدلًا من تجاهل هذا السياق، تعترف الحملة به صراحةً وتتعامل معه بشكل مباشر.
تستند الحاجة الملحّة لهذه المبادرة إلى معطيات حديثة. فوفقًا لبيانات استطلاعية استشهدت بها الحملة، لا يصرّح سوى نحو واحد من كل ثلاثة شباب تتراوح أعمارهم بين 8 و18 عامًا بأنهم يستمتعون بالقراءة في أوقات فراغهم، بينما لا يقرأ يوميًا من أجل المتعة سوى واحد تقريبًا من كل خمسة. كما تُظهر التقييمات الدولية، مثل دراسة PIRLS 2021، انخفاض نسبة التلاميذ في إنجلترا الذين يصرّحون بأنهم «يستمتعون جدًا» بالقراءة. وفي الوقت ذاته، لا يزال عدد كبير من الأطفال يغادرون المرحلة الابتدائية من دون بلوغ المستوى المتوقع في مهارات القراءة، مع فجوات تحصيل واضحة بشكل خاص بين الفئات الأقل حظًا. وعلى مستوى السياسات العامة، لم تعد القراءة من أجل المتعة تُقدَّم بوصفها نشاطًا إثرائيًا فحسب، بل باعتبارها «بنية تحتية» أساسية: دعامة للتحصيل الأكاديمي، والحراك الاجتماعي، وفرص النجاح على المدى الطويل.
وقد كُلّفت وزارة التعليم بتنفيذ هذه المبادرة، على أن تتولى المؤسسة الوطنية لمحو الأمية (National Literacy Trust) دور الجهة المحورية المنظمة لها. وترتكز المبادرة على تحالف واسع من الشركاء، بدعم من عضو الاتحاد الدولي للناشرين جمعية الناشرين (Publishers Association). ومن بين الشركاء الرئيسيين: وكالة القراءة (The Reading Agency) المعنية بالمكتبات العامة، وبوك تراست (BookTrust) المختصة بمرحلة الطفولة المبكرة، إضافة إلى مجموعة من جمعيات محو الأمية، إلى جانب تحالفات قطاعية مثل اليوم العالمي للكتاب (World Book Day). ويضع التمويل العام الإطار الأساسي للمبادرة، مدعومًا بمساهمات من مجلس الفنون في إنجلترا (Arts Council England) وجهات خيرية وشركات. وأتشارك مع هذه الرؤية الافتراض الواضح بأن إحداث تغيير مستدام في عادات القراءة يتطلب عملًا منسقًا على مستوى المنظومة بأكملها، لا مجرد تدخلات متفرقة أو مبادرات معزولة.
على الصعيد التنفيذي، تجمع المبادرة بين لحظات وطنية عالية الحضور الإعلامي وأنشطة محلية دقيقة التنفيذ. فالشراكات الإعلامية والسفراء البارزون — بما في ذلك التعاون مع الدوري الإنجليزي الممتاز، وهو تعاون كان قائمًا بالفعل في عام 1998 وأثار إعجابي آنذاك إلى حد أنني نظّمت مبادرة مماثلة ضمن البرنامج الأعلى مشاهدة بمشاركة أحد نجوم ريال مدريد، بطبيعة الحال — تهدف إلى توسيع نطاق الوصول إلى ما يتجاوز الدوائر الأدبية التقليدية، وترسيخ القراءة ضمن الثقافة السائدة. وبالتوازي مع ذلك، يجري تنفيذ آلاف الأنشطة في المدارس والمكتبات والمجتمعات المحلية بهدف إحداث أثر عميق ومستدام، يضمن الاستمرارية ويتجاوز الطابع الاحتفالي المؤقت.
تُقدَّم للمدارس ومؤسسات الطفولة المبكرة حزمة دعم منظَّمة تشمل أدوات مجانية، ومواد هوية بصرية، وفرصًا للتطوير المهني. كما تتيح منصة رقمية مركزية تنظيم الموارد بحسب المراحل العمرية، وتسهّل تبادل الخبرات بين المشاركين، وتمنح اعترافًا رسميًا من خلال «جائزة المشاركة في السنة الوطنية للقراءة». ويبدو تصميم المبادرة أقرب إلى إطار تبنٍّ منه إلى حملة عابرة؛ إذ توفر إرشادات لتقييم ثقافة القراءة داخل المؤسسة، وإشراك الأسر، وترسيخ ممارسات مستدامة بدلًا من الاكتفاء بأنشطة مؤقتة. كما تشجع التوجيهات الصادرة عن هيئات مهنية مثل جمعية مكتبات المدارس (School Library Association) على إنشاء مجالس للقراءة تضم التلاميذ والمعلمين، مع ربطها بالمكتبات العامة المحلية، بما يرسّخ صوت التلاميذ في تشكيل بيئات القراءة. وتؤدي المكتبات العامة، من خلال وكالة القراءة (The Reading Agency)، دورًا موازيًا. إذ تُدمج برامج راسخة مثل «تحدي القراءة الصيفي» و«ليلة الكتاب العالمية» ضمن سردية العام، مما يعزز دور المكتبات بوصفها ركائز مدنية لثقافة القراءة. كما تُشجَّع منظمات المجتمع المحلي على ابتكار تدخلات صغيرة النطاق: مساحات قراءة مؤقتة، ومجموعات متعددة الأجيال، وجلسات قراءة فردية بدعم متطوعين، وعروض موضوعية مرتبطة بالاهتمامات المحلية. ويتمثل الطموح في جعل القراءة ممارسة طبيعية في الحياة اليومية، بدل حصرها في المدرسة أو في الفضاءات الثقافية المتخصصة.
من منظور تاريخي، جمعت «السنة الوطنية للقراءة» في عامي 1998 و2008، على نحو مماثل، بين الدعم الحكومي والتعاون العابر للقطاعات والانخراط الإعلامي. وكما أذكر، سعت حملة 2008 على وجه الخصوص إلى حشد قطاع التعليم والمكتبات والشركاء من القطاع الخاص حول رؤية «أمة من القرّاء». أما نسخة عام 2026، فمع أنها تحافظ على هذا الحمض التعاوني ذاته، فإنها تعكس تطبيقًا أكثر وضوحًا للرؤى السلوكية، وبنية هوية بصرية أكثر تماسكًا، ونموذج تنفيذ أكثر تنظيمًا تدعمه بنية رقمية متكاملة. وبينما كانت الحملات السابقة تعمل أساسًا ضمن نموذج قائم على الطباعة والبث التقليدي، صُممت المبادرة الحالية لتلائم مشهدًا متشظيًا تقوده المنصات الرقمية.
ولا يمكن قياس ما إذا كانت «السنة الوطنية للقراءة 2026» ستحقق تغييرًا مستدامًا من خلال العناوين الإعلامية وحدها. فنجاحها سيعتمد بدرجة أقل على بروز اللحظات الوطنية الكبرى، وبدرجة أكبر على الأثر التراكمي لتحولات صغيرة لكنها مستمرة داخل البيوت، والفصول الدراسية، والمجتمعات المحلية. وإذا أثبتت استراتيجية جعل القراءة جذابة بدلًا من فرضها كواجب فعاليتها، فقد يشكّل هذا العام نموذجًا لحملات ثقافية مستقبلية تعمل في ظل تشبّع رقمي واسع — وهو درس مهم لجميع العاملين في مجال تعزيز القراءة.