تشير دراسة حديثة أجرتها المدرسة الدنماركية للإعلام والصحافة إلى نتيجة ينبغي أن تثير قلق قطاع التكنولوجيا وصنّاع السياسات الثقافية على حد سواء: فلم تعد المشكلة تتمثل في عدم إدراك الشباب للآثار السلبية لبعض المنصات الرقمية، بل في أنهم يدركون هذه الآثار جيداً ومع ذلك يعجزون عن التحرر منها. واستناداً إلى 600 مقابلة شخصية وعدد من الاستبيانات التي شملت شباباً تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، تصف الدراسة شعوراً واضحاً بالحصار، يتوافق مع ما توصلنا إليه في بعض الدراسات النوعية محدودة النطاق، من خلال مجموعات النقاش، التي أجريناها في مؤسسة GSR.
ويتحدث المشاركون عن قضاء «أربع أو خمس ساعات في حالة من التصفح الآلي»، وكأنهم «عالقون داخل حفرة»، منخرطين فيما يصفونه بأنفسهم بـ«التصفح القهري للأخبار السلبية» (Doomscrolling): أي التنقل بلا نهاية بين المحتويات التي تتحكم فيها الخوارزميات على منصات مثل إنستغرام وتيك توك. ويرى 73% منهم أنهم يقضون وقتاً أطول مما ينبغي على هواتفهم المحمولة. والأهم من ذلك أن كثيرين منهم يعبّرون عن شعورهم بأنهم كانوا يفضّلون، في حقيقة الأمر، القيام بأنشطة أخرى.
وتكشف صياغة التقرير الكثير. إذ يقول الشباب إنهم يرغبون في قضاء مزيد من الوقت «في الحياة الواقعية»، مع الآخرين، أو في ممارسة أنشطة إبداعية، أو قراءة الكتب، أو ممارسة الرياضة، أو حتى مجرد الخروج إلى الطبيعة. ومع ذلك، يشعرون بأن المنصات «تستنزف» وقتهم وانتباههم بطرق يصفها بعضهم بأنها «مخجلة» أو «مخيفة».
وعلى مدار سنوات، جرى تفسير توسّع هذه المنصات باعتباره نتيجة طبيعية للتفضيلات الثقافية لدى الأجيال الشابة. غير أن هذه الدراسة تشير إلى واقع مختلف إلى حدّ بعيد: فقد لا نكون أمام طلب عفوي بالضرورة، بل أمام منظومة مصممة لزيادة قدرتها على الاستحواذ على سلوك المستخدمين والاحتفاظ بهم لأطول فترة ممكنة. وهذا التمييز مهم. فإذا كان المستخدمون أنفسهم يعبّرون عن تطلعات ثقافية لا تنسجم مع عاداتهم الرقمية الفعلية، فربما يتعين علينا التوقف عن النظر إلى المشكلة حصراً من زاوية «الاختيار الفردي». إذ يصبح الخطاب المعتاد حول الانضباط الذاتي أو قوة الإرادة أو «الإدارة الصحية للوقت» غير كافٍ عند مواجهة أنظمة صُمّمت عمداً لاستغلال الآليات النفسية التلقائية.
ولهذا الأمر تداعيات مباشرة على عالم الكتب والقراءة. فكثيراً ما يُعرض تراجع الوقت المخصص للقراءة باعتباره مجرد منافسة بين أشكال مختلفة من الترفيه، غير أن منصات مثل تيك توك وإنستغرام لا تنافس على الوقت فحسب، بل تنافس أيضاً على البنية المعرفية ذاتها، وتسهم في تشكيل مسارات عصبية جديدة. ولم يعد السؤال المحوري يقتصر على مقدار الوقت المتبقي للقراءة، بل يمتد إلى نوعية الانتباه المتاح بعد ساعات من التحفيز المجزأ والمتسارع والمُحسَّن خوارزمياً.
ومنذ فترة طويلة، أنتمي إلى مجموعة من الأشخاص الذين يؤكدون أهمية «القراءة المتقدمة»، أو ما أفضّل أن أطلق عليه «القراءة الطموحة». وتكمن القيمة التي تقدمها الدراسة الدنماركية في أنها توضح أن كثيراً من الشباب لم يتخلوا بالضرورة عن هذا الطموح. فعلى أقل تقدير، لا يزال لديهم تصور لما ينبغي أن تكون عليه الحياة، وخيال يربط القراءة والإبداع والتواصل المباشر مع الآخرين بأنماط مرغوبة من الوجود. أما اللافت فهو اتساع الفجوة بين تطلعاتهم الثقافية وممارساتهم اليومية.
ألا يمكننا أن نرى في ذلك فرصة مهمة أمام العاملين في مجال تشجيع القراءة؟ ينبغي لهذا التصدع أن يدفعنا إلى إعادة النظر في بعض الافتراضات المفرطة في التبسيط بشأن السلوك الثقافي المعاصر. فقد بات واضحاً بصورة متزايدة أن القول إن الأجيال الشابة «لم تعد ترغب ببساطة في القراءة» قول غير دقيق. وربما يتمثل جانب مهم من المشكلة في أن المنظومة الرقمية السائدة تجعل الحفاظ على الظروف الذهنية والزمنية اللازمة للقراءة أكثر صعوبة بصورة متزايدة.
إن اقتصاد الانتباه لا يعيد توزيع الوقت فحسب، بل يعيد أيضاً تشكيل عادات الإدراك، والإيقاعات المعرفية، والتوقعات العاطفية. وفي هذا السياق، قد تحتاج سياسات القراءة إلى تغيير جوهري في أولوياتها. فلم يعد تعزيز مهارات القراءة والكتابة كافياً ما لم يصاحبه نقاش نقدي حول البنية التكنولوجية التي تتنافس على كل ثانية متاحة من التركيز. وهكذا، يبدو تشجيع القراءة أقل شبهاً بحملة للترويج الثقافي، وأكثر ارتباطاً بما يمكن تسميته «ببيئة الانتباه».
ولسنوات، بدا أن هيمنة المنصات تستند إلى شكل من أشكال القبول الثقافي الضمني. لكن التقرير يكشف واقعاً أكثر التباساً: فكثير من الشباب لا يحتفون بهذا النموذج من الاستهلاك الرقمي، بل يعبّرون عن الإرهاق والإحباط، وحتى عن الرغبة في التحرر منه. وربما كان هذا الشعور بعدم الارتياح هو الجانب الأكثر تفاؤلاً في الدراسة، ولعل فيه تكمن الفرصة، لأن التحولات الثقافية الحقيقية غالباً ما تبدأ حين يتوقف المجتمع عن الخلط بين التكيف والرغبة الصادقة.