إن التوتر بين الخطاب العام والممارسات المؤسسية يوضح كيف يمكن للرياح المعاكسة أن تُبطئ التقدم، ويؤكد الحاجة إلى قيادة قادرة على تحويل الكلمات إلى ممارسات شمولية ملموسة ومستمرة وقابلة للتحقق. وقد شهدنا ذلك في الولايات المتحدة بعد أن أدت الأوامر التنفيذية المناهضة لسياسات التنوع والإنصاف والشمول (DEI) الصادرة عن الرئيس ترامب إلى تراجع عدد من المؤسسات الكبرى، مثل سيلزفورس وأمازون وغوغل وميتا وغيرها، عن أهداف التوظيف المتعلقة بالتنوع، أو إلغاء وظائف متخصصة في هذا المجال، أو تعليق فعاليات مرتبطة به.
ورغم أن الأرقام لم تكن كبيرة، أشار تقرير حديث صادر عن مؤسسة «كاتاليست» إلى أن العديد من القيادات في الولايات المتحدة اعتمدت نهجًا وصفه التقرير بـ«التحايل المرن»، يتمثل في تأكيد الالتزام العلني بمبادئ التنوع والإنصاف والشمول، مع تعديل الاستراتيجيات وآليات التنفيذ في الوقت نفسه، بما في ذلك حذف أو تعديل المحتوى المتعلق بهذه السياسات من المواقع الإلكترونية، وتقليص البرامج المرتبطة بها. وتحمل هذه التحولات مخاطر حقيقية على الموظفين. فقد أظهر التقرير ذاته أن أكثر من 40% من الموظفين قد يفكرون في ترك وظائفهم إذا لم يدعم صاحب العمل سياسات التنوع والإنصاف والشمول. كما اتفق ما يقرب من جميع المشاركين في الاستطلاع على ضرورة احترام الجميع والترحيب بهم بغض النظر عن خلفياتهم، وعلى أهمية ضمان أجر عادل ومنصف.
كما شهدنا في العديد من المؤسسات نهجًا معاكسًا من «التحايل المرن»: إذ أُعيدت صياغة سياسات التنوع والإنصاف والشمول (DEI) علنًا، وأصبح حرف «D» الذي يرمز إلى «التنوع» سياسة «لا يُراد ذكر اسمها»، وأُعيدت معايرة السياسات، غير أن الأسس الجوهرية بقيت قائمة — التزام حقيقي بالشمول (أو بأي مصطلح يبدو أكثر قبولًا في المناخ السياسي الراهن). وهذا يقودنا إلى مصطلح برز بقوة في عام 2025 ولا يزال حاضرًا بقوة: الانتماء.
يسلط مفهوم الانتماء الضوء على ضرورة التركيز على القيم الجوهرية في قطاع النشر. ففي هذا القطاع، ينبغي لكلٍّ من الثقافة المؤسسية والمحتوى الذي ننشره أن يعززا الحوار، ويصونا القيم الديمقراطية، ويضمنا التدفق الحر للمعلومات والأفكار. ولهذا أطلق قادة من مختلف أرجاء قطاع النشر والكتاب بيانًا مشتركًا بعنوان: «الانتماء مهم — لقطاعنا، ولمجتمعاتنا، وللقصص التي نرويها»، مؤكدين مسؤوليتنا المشتركة في تمكين الأصوات المتنوعة، وخلق عالم يتمتع فيه الجميع بالحق في القراءة والمشاركة والانتماء. ويوسّع مفهوم الانتماء أجندة التنوع والإنصاف والشمول لتتجاوز مجرد «التنوع»، ويعيد تأطيرها باعتبارها سعيًا إلى بيئة شمولية حقيقية يشعر فيها كل فرد بالاحترام والقدرة على المشاركة.
لقد بدأت هذه الأجندة الجديدة القائمة على مفهوم الانتماء بالفعل داخل الاتحاد الدولي للناشرين. ففي العام الماضي، وقعنا مذكرة تفاهم مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة بهدف توظيف قطاع النشر في تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، مع التركيز على زيادة تمثيل النساء في المناصب القيادية العليا في دور النشر. وتهدف هذه الشراكة إلى إنشاء منصة تُبرز كيف يمكن لقوة الأدب والنشر أن تتحدى الصور النمطية، وفي الوقت نفسه تعزز حوارًا بنّاءً. كما تقدم برنامج عمل تكميليًا إلى جانب مبادرة «PublisHER» الهادفة إلى تمكين النساء في قطاعنا، ودعم جهودنا الأوسع في مجال أهداف التنمية المستدامة.
وشهد القطاع أيضًا تقدمًا ملموسًا نحو تعزيز الشمول. فعضو الاتحاد الدولي للناشرين،اتحاد الناشرين في المملكة المتحدة، يمتلك سجلًا طويلًا في دعم الشمولية. ففي عام 2017، أطلقت الجمعية خطة عمل للشمول تضمنت عشرة التزامات موجّهة إلى مؤسسات النشر. وكان أحد أهدافها زيادة تمثيل النساء في المناصب القيادية العليا — وهو إنجاز تحقق خلال بضع سنوات. ويستمر الزخم اليوم مع إطلاق «تعهد الشمول في النشر» في يناير من هذا العام، الذي يرسّخ مفهوم الانتماء كمبدأ أساسي، ويجعل من الإنصاف والشمول والانتماء قيمًا موجِّهة لقطاع النشر في المملكة المتحدة. ويؤكد ذلك أنه حتى في عام 2026، لا تزال التعهدات والالتزامات ذات أهمية، إذ وقّع 39 ناشرًا على التعهد لإظهار دعمهم لثقافة قائمة على الشمول.
ومن المجالات الحاسمة الأخرى التي يجب أن تظل أولوية ونحن نتطلع إلى عام 2026، ترسيخ ثقافة عمل آمنة وشاملة، يشعر فيها الجميع بالقدرة على إظهار ذواتهم الحقيقية في بيئة العمل. وعلى مستوى القطاع، نلاحظ تزايد التركيز على مفهوم الأمان النفسي والشمول، مدعومًا بإجراءات ملموسة لا تقتصر على التصريحات فقط. ويشمل ذلك وضع إرشادات داخلية وأطر لأفضل الممارسات — مثل إطلاق اتحاد الناشرين الدنماركيين العام الماضي ممارسات محدّثة لتعزيز الشمول — إضافة إلى مؤشرات واضحة على التضامن، بما في ذلك دعم الزملاء من مجتمع الميم (LGBTIQ+). وأفخر بترؤسي لمنظمة «ورك بليس برايد» (Workplace Pride)، التي توفر لنا منصة للتفكير الجاد في قضايا الشمول ضمن سياق عالمي (ومن اللافت أن ثلاثًا من دور النشر الكبرى في مجال العلوم والتقنية والطب — Springer Nature وRELX/Elsevier وWolters Kluwer — أعضاء في هذه المبادرة). وعلينا أن نتذكر أن ليس جميع مكاتبنا تعمل في بيئات يمكن فيها للموظفين التحدث علنًا عن شركائهم أو حياتهم الشخصية. وهذا يجعل من الأهمية بمكان أن نعمل على بناء ثقافات مؤسسية يشعر فيها الجميع — بغض النظر عن الموقع الجغرافي — بالاحترام والحماية والانتماء.
لا يقتصر الارتداد ضد سياسات التنوع والإنصاف والشمول (DEI) على داخل المؤسسات فحسب، بل يمتد أيضًا إلى المحتوى الذي ننشره. فقد تصاعدت موجات حظر الكتب على المستوى الدولي، مع تحولات واضحة بشكل خاص في الولايات المتحدة، حيث اتخذت بعض المناطق التعليمية وإجراءات على مستوى الولايات خطوات لتقييد الوصول إلى عناوين معينة. وقد سُلّط الضوء على هذه القضية العام الماضي خلال مؤتمر فرانكفورت لكتب الأطفال، الذي حمل عنوان «كتب الأطفال في عالم هش».
ويطرح هذا المشهد المتغيّر أسئلة جوهرية أمام دور النشر: كيف تنعكس مبادئ التنوع والإنصاف والشمول في قيادتنا وثقافتنا وسياساتنا المؤسسية؟ وكيف يترجم ذلك إلى المحتوى الذي ننتجه — في تنوع المؤلفين والمحررين والموظفين، وفي السرديات الشاملة، وفي الممارسات التحريرية؟ لا أعتقد أن سياسات التنوع والإنصاف والشمول قد انتهت في عام 2026، لكنني أؤمن بأن علينا جميعًا أن نواصل طرح الأسئلة المهمة: كيف يبدو الانتماء في عالم النشر؟ وكيف نجسّده فعليًا في قطاعنا؟