خلال فترة العطلات، وجدت وقتًا للقراءة؛ فإلى جانب الكتب التي رغبت في التعمّق فيها للمتعة، قرأت أيضًا نصوصًا أخرى ذات اهتمام مهني كنت قد احتفظت بها لنوع مختلف من المتعة الفكرية. ومن بينها دراسة مثيرة للاهتمام جدًا أعدّتها شركة ماكنزي وشركاه (1) حول التحديات التي تواجه صناعة الإعلام في جذب الانتباه وتحقيق الدخل منه. وتبدأ الدراسة بعبارة لافتة: «لطالما ركّزت صناعة الإعلام على كمية انتباه المستهلك بدلًا من جودته. ومع تزايد تشتّت الجمهور وتجزّؤه، يصبح فهم القيمة الحقيقية للانتباه أمرًا حاسمًا لتحقيق النجاح». وتواصل الدراسة التأكيد على أولوية الجودة على الكمية، حتى من منظور حجم الإيرادات التي يولدها كل نوع من المحتوى.

غالبًا ما يُوصَف اقتصاد الانتباه المعاصر من منظور الخسارة: تقلّص مدد التركيز، والتشتّت المستمر، وتراجع التفاعل العميق. وفي هذا السياق، تُصوَّر قراءة الكتب في كثير من الأحيان بوصفها الخاسر في هذه المعركة داخل منظومة إعلامية مُهيّأة للسرعة والفورية. غير أن قراءتي لتقرير «معادلة الانتباه» مختلفة: فإذا لم يكن الانتباه مجرد مسألة حجم، بل مسألة جودة، فإن القراءة قد تمتلك مزايا بنيوية لا تلتقطها المقاييس السائدة بدقة، لكنها شديدة الأهمية للاستراتيجيات الثقافية والاقتصادية المستقبلية.

أعتقد أن الفكرة المركزية في التقرير — وهي أن ليس كل انتباه متساويًا — تفتح مجالًا مهمًا لإعادة التفكير في دور الكتب. فالقراءة تتطلب عادة تركيزًا مستمرًا وجهدًا معرفيًا وانخراطًا مقصودًا. وعلى عكس العديد من أشكال الوسائط الرقمية التي تزدهر على تعدد المهام أو الاستهلاك في الخلفية، تميل قراءة الكتب إلى مقاومة التشتّت. وغالبًا ما يُقدَّم هذا النوع من المقاومة بوصفه نقطة ضعف في سوق تنافسي للانتباه. لكن من منظور «جودة الانتباه»، قد يكون هذا أحد أعظم مواطن قوة القراءة.

القراءة بوصفها تجربة قابلة للمقارنة بالتجارب الحيّة

يحدّد التقرير الكتب بوصفها أحد أشكال الوسائط القليلة القادرة على توليد مستويات من التركيز يمكن مقارنتها بالتجارب الحيّة (مثل الحفلات الموسيقية المباشرة أو الأحداث الرياضية). وتُعدّ هذه النتيجة ذات دلالة كبيرة، لأن التركيز في نموذج التقرير ليس مجرد متغيّر نفسي، بل متغيّر اقتصادي: إذ يرتبط ارتفاع مستوى التركيز ارتباطًا وثيقًا بزيادة الاستعداد للدفع وبانخراط أعمق وطويل الأمد. وبطبيعتها، تتطلب القراءة من القارئ تخصيص الانتباه بطريقة مركّزة ومتسلسلة؛ إذ يتكشّف المعنى مع مرور الوقت ولا يمكن تجزئته بسهولة دون فقدان جوهري في الدلالة.

والمفاجأة أن هذا العنصر يضع القراءة في تناقض حاد مع الوسائط الرقمية المصمّمة للتنقّل السريع وانخفاض مستوى الالتزام. نعم، تتفوّق هذه الوسائط في التقاط لحظات عابرة من الانتباه، لكنها غالبًا ما تكافح لتحويل هذا الانتباه إلى قيمة مستدامة. وعلى النقيض، تعمل الكتب وفق منطق مختلف: فهي تطلب من القارئ استثمارًا أكبر منذ البداية، لكنها تقدّم في المقابل عائدًا معرفيًا وعاطفيًا أكثر ثراءً. ووفقًا لـ «معادلة الانتباه»، تولّد القراءة بشكل موثوق «وقتًا ذا قيمة» حتى عندما يكون إجمالي زمن الاستهلاك محدودًا نسبيًا.

القصدية وقيمة القراءة

جانب آخر وجدته في تقرير ماكنزي وشركاه بوصفه موردًا يعزّز شغفي بالدفاع عن القراءة هو تأكيده على القصدية بوصفها بُعدًا رئيسيًا من أبعاد جودة الانتباه. فوسائل الإعلام التي تُستهلك «بدافع الحب» أو التعلم أو البحث عن معنى شخصي تولّد انتباهًا أكثر قيمة وقدرة أعلى على تحقيق الدخل. وتنسجم القراءة بشكل وثيق مع هذه الدوافع: فالكتب تُختار عن قصد ونادرًا ما تُستهلك بشكل سلبي. وغالبًا ما يكون القرّاء مدفوعين بالفضول أو الهوية أو التفاعل العاطفي، مما يجعل القراءة أقل اعتمادًا على الانتباه العرضي أو المحيط.

وتجعل هذه القصدية القراءة قوية نسبيًا في بيئة إعلامية مكتظّة. فاختيار القراءة يعني عادة تفضيل العمق على الفورية. وهذا يؤكّد فرضيتي بأن التحدّي الرئيسي للقراءة ليس في جذب وقت أطول، بل في التواصل الذكي لتعزيز قيمة نوع الانتباه الذي تجذبه بالفعل.

وأخيرًا، من بين جميع أنشطة الترفيه التي يتناولها التقرير، تُظهر قراءة الكتب أكبر فارق بين قيمة تحقيق الدخل لكل ساعة كما يتنبأ بها المعامل التجاري (Commercial Quotient) ومعادلة الانتباه (التي تقترب كثيرًا من تحقيق الدخل الفعلي).

الانتباه بوصفه موردًا

تعيد «معادلة الانتباه» صياغة مفهوم الانتباه باعتباره موردًا يمكن تنميته، لا مجرد مورد يُستخرج. وتجسّد القراءة هذه الديناميكية، إذ تستفيد من الانتباه المستدام وتسهم في بنائه في الوقت نفسه، مما يساعد القرّاء على تطوير التركيز والصبر ومهارات التفسير. وعلى عكس الوسائط منخفضة الاحتكاك والمصمّمة للفورية، تتعامل القراءة مع الانتباه بوصفه قدرة إنسانية مذهلة يجب تعزيزها كمورد استراتيجي.

إن دعم القراءة قد يعزّز منظومة الانتباه ككل، ويُمكّن من انخراط أعمق مع الأفكار المعقّدة والأعمال الثقافية. وبالتالي، تتجاوز قيمة القراءة العوائد الاقتصادية المباشرة. ومع تزايد أهمية جودة الانتباه، يمكن للقراءة أن تتموضع بوصفها مولّدًا مميّزًا لانتباه عالي القيمة. وتمثّل مجالات التعليم والتعلّم مدى الحياة والثقافة مساحات استراتيجية يكون فيها هذا النوع من الانخراط ذا أهمية خاصة، ويمكن فيها الاستفادة من نقاط قوة القراءة على نحو أكثر فاعلية.

(1) «معادلة الانتباه: الفوز بالمعارك الصحيحة على انتباه المستهلك». ماكنزي وشركاه.