في ظل تراجع معدلات القراءة، ما أبرز النتائج التي خلص إليها التقرير الجديد، وما الذي تكشفه عن ضرورة تعاون جميع الأطراف الفاعلة في سلسلة صناعة الكتاب من أجل تشجيع القراءة؟

تؤكد «مجموعة أدوات تعزيز القراءة» (Reading Promotion Toolkit) أن أزمة القراءة بين الشباب تتفاقم وتتخذ أشكالًا جديدة. فنحو 26% من الطلاب في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، بما فيها دول الاتحاد الأوروبي، لا يبلغون الحد الأدنى من الكفاءة في القراءة، وهي نسبة تعادل تقريبًا ضعف المستوى المستهدف للاتحاد الأوروبي، المتمثل في خفضها إلى أقل من 15% بحلول عام 2030. كما لم يسجل أي نظام تعليمي في الاتحاد الأوروبي تحسنًا في أداء القراءة على مستوى التعليم الابتدائي بين دورتي الدراسة الدولية لقياس التقدم في القراءة (PIRLS) لعامي 2016 و2021. ولا يقل عن ذلك أهمية ما تشير إليه الأبحاث من أن التراجع في الإقبال على القراءة، الذي كان يحدث تقليديًا عند الانتقال إلى المرحلة الثانوية، يبدو أنه بات يبدأ في سن أبكر، وغالبًا ما يتزامن مع حصول الأطفال على هواتفهم الذكية الأولى، وقبل أن تترسخ لديهم مهارات القراءة بصورة كاملة.

لكن النتيجة الرئيسية التي توصل إليها التقرير هي أن المشكلة لا تكمن في نقص الأنشطة والمبادرات. ففي جميع البلدان التي شملتها الدراسة، توجد سياسات وحملات وبرامج مخصصة لتعزيز القراءة، لكنها موزعة بين وزارات مختلفة ومستويات متعددة من الإدارة الحكومية وهياكل التمويل والمؤسسات، التي غالبًا ما تعمل بالتوازي بدلًا من التعاون والتكامل فيما بينها.

فالقراء لا يتشكلون بمحض المصادفة، بل تسهم الأسرة والمدرسة والمكتبة والمجتمع المحلي ومكتبة بيع الكتب في تنمية علاقتهم بالقراءة. وعندما يغيب أحد هذه العناصر أو تنقطع صلته بالعناصر الأخرى، تزداد احتمالات عزوف الأطفال عن القراءة.

ويحتل بائعو الكتب موقعًا مميزًا ضمن هذه المنظومة؛ إذ إنهم، بعيدًا عن قيود المناهج الدراسية والتقييمات التعليمية، يستطيعون إعطاء الأولوية لمتعة القراءة، وتقديم توصيات شخصية تناسب اهتمامات القراء، والترحيب بالأطفال والأسر الذين ربما لا يشاركون مطلقًا في الفعاليات التي تنظمها المدارس أو المكتبات العامة.

ولهذا السبب، يدعو التقرير إلى تنسيق الجهود بين جميع الأطراف الفاعلة في سلسلة صناعة الكتاب. فالناشرون قادرون على تقديم عناوين متنوعة ومُيسّرة تعكس حياة القراء الشباب واهتماماتهم. ويمكن للمدارس والمكتبات أن تفتح أمامهم أبوابًا لاكتشاف كتب تتجاوز حدود المناهج الدراسية. أما صناع السياسات، فيمكنهم الاعتراف بالدور الثقافي والتجاري المزدوج الذي يؤديه بائعو الكتب، وإشراكهم في تصميم السياسات المعنية بتعزيز القراءة، والاستثمار في دورهم بوصفهم وسطاء في تنمية مهارات القراءة والكتابة.

وإذا كنا جادّين في إعادة بناء ثقافة القراءة، فلا بد من إشراك جميع الأطراف الفاعلة في منظومتها، وألّا تكون مكتبات بيع الكتب الحلقة المفقودة فيها.

يشير التقرير إلى أن بائعي الكتب يحتاجون إلى عناوين أقصر وأكثر اعتمادًا على العناصر البصرية، وأسهل قراءةً، ومناسبة للأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة، فضلًا عن كتب ثنائية اللغة للفئة العمرية من 9 إلى 15 عامًا. ويمكن لهذه الأشكال أن تشكل مدخلًا إلى عالم أوسع من القراءة، ولا سيما بالنسبة إلى الفتيان. فكيف نضمن أن تقود هذه المداخل إلى قراءة أعمال أكثر عمقًا وتحديًا؟

تزداد احتمالات إقبال الأطفال واليافعين على القراءة عندما يشعرون بأن الكتب ترتبط بحياتهم وتعكس اهتماماتهم، وهو أمر بالغ الأهمية، خصوصًا بالنسبة إلى القراء الصغار الذين يترددون في الإقبال على القراءة.

وفي الوقت الراهن، تعتمد المناهج الدراسية اعتمادًا كبيرًا على النصوص الأدبية الكلاسيكية المعتمدة نفسها، التي غالبًا ما تعجز عن جذب الطلاب أو إلهامهم لأنها لا تعكس واقع حياتهم. ومن شأن توفير أشكال أكثر يُسرًا، مثل الكتب الغنية بالرسوم التوضيحية، أو المصممة لتناسب من يعانون من عسر القراءة، أو الكتب القصيرة وثنائية اللغة، أن يساعد القراء الشباب على التدرج في اكتساب عادة القراءة، والاستفادة منها لاحقًا بوصفها نقطة انطلاق نحو أعمال أدبية أكثر تطلبًا.

أولًا، تساعد المداخل المُيسّرة إلى القراءة، مثل الروايات المصورة والمانغا والكتب القصيرة المزودة بالرسوم التوضيحية، على تخفيف الشعور بالقلق المرتبط بالقراءة وتحويلها إلى عادة ممتعة.

ويكمن مفتاح الانتقال إلى نصوص أكثر تعقيدًا في تحديد الموضوعات والأنماط السردية والأنواع الأدبية التي تجذب القارئ الشاب، سواء كانت المغامرات والحركة، أو ألعاب الفيديو، أو الرياضة، أو الفانتازيا، أو الرومانسية.

ثانيًا، يستطيع بائعو الكتب إرشاد القراء الشباب نحو عناوين تتضمن عناصر مشابهة لما يحبونه، بما يساعدهم على الانتقال تدريجيًا من القصص المصورة إلى الأعمال النثرية المزودة بالرسوم التوضيحية، أو من سلاسل أدب اليافعين سريعة الإيقاع إلى سلاسل الفانتازيا الأكثر كثافة والأعمال الأطول.

وبالنسبة إلى الفتيان، الذين ترتفع بينهم معدلات العزوف عن الدراسة في المرحلة الثانوية، من الضروري الحفاظ على تنوع المداخل الجاذبة إلى القراءة، وإتاحة المرونة في اختيار الأنواع الأدبية التي تتناسب مع هواياتهم واهتماماتهم الشخصية.

وفي نهاية المطاف، فإن تشجيع الأطفال والقراء الشباب على بدء القراءة أو الاستمرار فيها يتطلب الحفاظ على تجربة خالية من الضغوط، مع احترام اختيارات القارئ وتقديرها. وبهذه الطريقة، لا تصبح الأشكال المُيسّرة، مثل الروايات المصورة وروايات الفانتازيا والرومانسية والمانغا، محطات نهائية، بل مسارات تقود إلى تنمية مهارات قراءة أكثر عمقًا وتقدمًا.

ما الذي يمكن أن يتعلمه الناشرون من نجاح القسائم الثقافية في الوصول إلى قراء جدد؟

القسائم الثقافية هي مبادرات تمولها الحكومات، وتهدف إلى تعريف الشباب بالأنشطة الثقافية، مع تقديم الدعم للصناعات الثقافية والإبداعية.

وتُخصص لهذه القسائم قيمة مالية محددة، يمكن إنفاقها حصريًا على السلع والأنشطة الثقافية، سواء في دور السينما أو المسارح أو قاعات الموسيقى، وكذلك في مكتبات بيع الكتب.

وتهدف هذه الآلية إلى تخفيف العوائق المالية التي تحول دون المشاركة الثقافية، مع تشجيع الشباب على الانخراط في أنشطة ثقافية ربما كانت فرص احتكاكهم بها محدودة لولا هذه المبادرات.

وقد لوحظ في البلدان التي طبقت برامج القسائم الثقافية خلال السنوات القليلة الماضية ارتفاع في أعداد الشباب الذين يقرؤون من أجل المتعة، وليس للأغراض التعليمية فحسب.

وعلى المدى الطويل، تمثل هذه القسائم أداة مهمة لتنمية قاعدة من القراء الذين يواصلون القراءة من أجل المتعة طوال حياتهم.

وبالنسبة إلى الناشرين، يبرز ذلك أهمية الوصول إلى الشباب في سن مبكرة، وتخفيف العوائق التي تحول دون اكتشافهم للكتب، وإتاحة الفرص أمامهم لبناء علاقة شخصية مع القراءة، بصرف النظر عن اختلاف خلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية.

إذا كان مجتمع «بوك توك» (BookTok) يحفّز الطلب على الكتب، لكنه يركز الاهتمام على عدد محدود من العناوين، فما الدور الذي يمكن أن يؤديه بائعو الكتب والناشرون؟

أثبت «بوك توك» أنه أداة فعالة للغاية في تعزيز اكتشاف الكتب؛ فقد أسهم مؤثرو الكتب والاتجاهات الرائجة على المنصة في تصدّر العديد من الكتب نتائج خوارزميات التوصية، ما ساعد على استقطاب قراء جدد وتعزيز شغف القراء الحاليين.

كما أن طبيعة «بوك توك»، بوصفه مساحة مستقلة نسبيًا داخل المنصة، تجعله مجتمعًا قائمًا بذاته، يستثمر قوة الكتب في بناء الروابط وتعزيز الحوار والمشاركة، حيث تشكل الكتب محورًا أساسيًا لهذه التفاعلات.

ورغم ترحيبنا بأي اهتمام متجدد بالكتب، فإن ظاهرة «بوك توك» تطرح أيضًا تحديات، من بينها الاعتماد على الخوارزميات في الترويج لعناوين بعينها.

فآلية عمل الخوارزميات تقوم أساسًا على تخصيص المحتوى وفق تفضيلات المستخدمين ومستويات تفاعلهم، وإبراز المحتوى القادر على جذب الانتباه بسرعة وإحداث صدى لدى مستخدمي المنصات.

ونتيجة لذلك، تحظى المواد التي تعكس تفضيلات الأغلبية، إن جاز التعبير، بالأولوية في الظهور والانتشار، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى تقلص التنوع في القصص ووجهات النظر المعروضة على الجمهور.

ولا تقتصر المشكلة على تركّز الاهتمام في عدد محدود من العناوين، بل تمتد إلى التهميش المنهجي للمجتمعات التي تعاني أصلًا من ضعف التمثيل والتهميش، مثل مجتمعات السود والسكان الأصليين والأشخاص الملونين (BIPOC)، ومجتمعات الميم (LGBTQ+).

ومع ذلك، يستطيع الناشرون وبائعو الكتب مواجهة هذا التحدي من خلال أداء دور الجسر الذي يربط بين المحتوى المتاح بالفعل والمحتوى الذي يمكن تقديمه إلى جمهور أوسع للمرة الأولى.

ويمكن تحقيق ذلك عبر تحديد العناصر التي تجعل بعض الكتب رائجة، ثم البحث عن أعمال أقل شهرة تشترك معها في خيوط موضوعية أو سردية جامعة.

ومن شأن هذا النهج أن يسهم في تعزيز تفاعل القراء، مع دعم القصص التي لا تستفيد عادةً من آليات عمل المنصات التقليدية وتسليط الضوء عليها.

كيف يمكن لاتحادات الناشرين التعاون مع بائعي الكتب لضمان أن تدعم سياسات تعزيز القراءة سلسلة صناعة الكتاب بأكملها؟

غالبًا ما تُصمَّم سياسات تعزيز القراءة حول طرف واحد، سواء كان المدرسة أو المكتبة أو الناشر، في حين أن رحلة القارئ تمر عبر سلسلة صناعة الكتاب بأكملها. وعندما تركز السياسات على حلقة واحدة فقط، تُترك بقية الحلقات لتحمل تكاليف الجهود المبذولة.

والمشروعات الأكثر استدامة هي تلك التي تجمع بائعي الكتب والناشرين والمؤسسات العامة حول طاولة واحدة منذ البداية، بما يحوّل تعزيز القراءة إلى مسؤولية مشتركة تتحملها المنظومة بأكملها، بدلًا من أن يظل مبادرة يقودها طرف واحد.

وهذا النهج هو ما يعزز أيضًا مصداقية هذه المشروعات لدى الجهات الممولة، التي تستطيع أن ترى بوضوح كيف يصل المشروع إلى القراء الشباب في مختلف مراحل رحلتهم مع القراءة.

وتتمتع اتحادات الناشرين وبائعي الكتب بموقع يؤهلها للبناء على هذا المنطق. فمن خلال توحيد صوتها، تستطيع أن توضح لصناع السياسات أن دعم القراءة يعني دعم سلسلة متكاملة، تشمل المكتبات المدرسية التي تشتري الكتب من بائعي الكتب المحليين، والزيارات التي ينظمها المؤلفون بتمويل من الناشرين، ومكتبات بيع الكتب التي تشكل مساحات للقاء القراء الشباب وتفاعلهم.

ومن خلال توثيق نتائج مشروعاتها المشتركة والفئات التي تصل إليها، تستطيع هذه الاتحادات أيضًا تزويد السلطات العامة بالأدلة اللازمة لضمان تمويل هذه المبادرات على المدى الطويل، والتأكد من أن التدابير المعتمدة تعود بالنفع على جميع حلقات سلسلة صناعة الكتاب، لا على حلقة واحدة فحسب.