لكن الثورة الرقمية غيّرت طبيعة المشكلة. فلم يسبق أن كان بين أيدينا هذا الكم الهائل من النصوص، ولم يكن الوصول إلى مكتبة، أو قراءة صحيفة تصدر على بُعد آلاف الأميال، أو العثور على معلومات حول أي موضوع تقريبًا، بهذه السهولة من قبل. ومع ذلك، لم يكن السؤال عمّا يعنيه فعلًا أن تكون لدينا إمكانية الوصول إلى القراءة أكثر إلحاحًا مما هو عليه اليوم.
فالوصول إلى النصوص لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على الاستفادة منها بكل ما تتيحه القراءة من إمكانات. وهذه التفرقة أساسية إذا أردنا النظر إلى محو الأمية من منظور الإنصاف. إذ ثمة خطر في أن نفهم الإتاحة العادلة للكتب باعتبارها مجرد ضمان حد أدنى، أي التأكد من أن الجميع يكتسبون ما يكفي من مهارات القراءة للتعامل مع متطلبات الحياة اليومية. وهذا هدف أساسي، لكنه غير كافٍ. فالعدالة تتطلب بالتأكيد حدًا أدنى؛ لكنها لا تستلزم وضع سقف أعلى لما يمكن للناس بلوغه.
وهناك مسافة كبيرة بين فك رموز النص والانخراط فيه فكريًا. ففهم حجة معقدة، والحفاظ على التركيز لفترة طويلة، والربط بين أفكار متباعدة، واكتشاف التناقض، وتقبّل الغموض مؤقتًا، أو السماح لوجهة نظر شخص آخر بأن تتحدى وجهة نظرنا، كلها أيضًا من مهارات القراءة. ونحن لا نولد بها، بل نتعلمها ونطوّرها، وهي قبل كل شيء تحتاج إلى ظروف تتيح لها أن تزدهر. وهذه هي القدرات التي يدافع عنها «بيان ليوبليانا للقراءة» من خلال مفهومه عن «القراءة المتقدمة». وتكمن أهمية هذا المفهوم إلى حد بعيد في الطريقة التي ينقل بها النقاش نحو الجودة المعرفية للقراءة.
لطالما رأيت أن والتر ج. أونغ يقدّم منظورًا مفيدًا للغاية لفهم هذا التناقض الظاهري. ففي كتاباته عن «تقنيات الكلمة»، ذكّرنا أونغ بأن الكتابة نفسها تكنولوجيا، وأن التحولات الكبرى في الاتصال — من الثقافة الشفوية إلى الكتابة، ومن المخطوط إلى الطباعة — لا تغيّر فقط الوسيط الذي تصل إلينا الكلمات من خلاله، بل تغيّر أيضًا علاقتنا بالكلمات، وبذلك تعيد تشكيل بعض أنماط التفكير. وإذا كان ثمة درس واحد يمكن استخلاصه من أونغ، فهو أن التقنيات تفتح آفاقًا جديدة، وفي الوقت نفسه تشجع أنماطًا محددة من الاستخدام والعادات وبُنى التفكير. لذلك، لا أعتقد أن القضية هي مفاضلة بين الورق والشاشة.
كرّست نعومي إس. بارون سنوات لدراسة ما يحدث عندما تنتقل القراءة إلى البيئات الرقمية. وقد ساعدت أبحاثها في الكشف عن واقع أكثر تعقيدًا مما تسمح به السرديات المتحمسة للتكنولوجيا أو المعادية لها. فنحن، بوصفنا قراء، نستخدم الوسائط المختلفة بطرق مختلفة؛ وغالبًا ما نربط الشاشات بعادات السرعة والبحث والتجزئة، بينما يظل الورق، في كثير من الحالات، مشجعًا على علاقة مختلفة مع النصوص الطويلة. لكن أياً من هذه العلاقات ليس محددًا سلفًا بحكم الوسيط نفسه. فالسياق مهم، وكذلك الغرض من القراءة، والأهم من ذلك كله الممارسات التي نتعلمها.
وهذا يجعل تعليم القراءة اليوم أكثر تعقيدًا من مجرد تعليم الناس فك رموز الكلمات أو حتى فهم النصوص، لأنه يعني أيضًا تعليمهم كيفية إدارة انتباههم.
واليوم، يدفع الذكاء الاصطناعي هذا السؤال خطوة إضافية إلى الأمام. ففي كتابها الحديث «Reader Bot»، تتساءل بارون عما يحدث عندما لا تعود الآلات تكتفي بتخزين الكلمات أو نقلها أو العثور عليها، بل تبدأ في «القراءة» نيابةً عنا. إذ يمكننا أن نطلب من أداة ما تلخيص كتاب، أو استخراج أفكاره الرئيسية، أو مقارنة وثيقتين، أو الإجابة عن أسئلة تتعلق بنصوص لم نقرأها بأنفسنا. لكن إلى أي حد يمكننا تفويض فعل القراءة من دون أن نفقد ما لا يحدث إلا من خلال القراءة نفسها؟
يمكن للملخص أن يقدّم لنا خلاصات الحجة، لكنه لا يمنحنا بالضرورة التجربة الفكرية المصاحبة لمتابعة بنائها. وقد يعفينا من صعوبة ما، مع أن بذل الجهد لتجاوز هذه الصعوبة هو أحيانًا ما يولّد الفهم. وقد يقودنا سريعًا إلى إجابة، لكن القراءة تعني أيضًا اكتشاف أسئلة لم نكن نعرف أننا بحاجة إلى طرحها.
وليس من قبيل المصادفة أن هذا القلق بدأ يحتل مكانًا أيضًا على الأجندة الدولية للكتاب والقراءة. وبصفتها سفيرة اليونسكو للنوايا الحسنة للتعليم وثقافة الكتاب — ورئيسة سابقة للاتحاد الدولي للناشرين — وضعت بدور القاسمي محو الأمية، والوصول إلى الثقافة، وقدرة القراءة على خلق الفرص، في صميم مهمتها. وتشير مبادرتها القراءة من أجل المستقبل تحديدًا إلى تصور للقراءة يتطلب من المؤسسات التعليمية والثقافية، والناشرين، وصناع السياسات، العمل معًا. فالتحدي لا يتمثل فقط في توسيع نطاق الوصول إلى النصوص، بل في خلق الظروف التي تضمن استمرار القراءة أداة فعالة للتعلم والمشاركة والاستقلالية.
وهنا تظهر أبعاد جديدة للإنصاف. فعلى مدى قرون، كانت أوجه عدم المساواة الكبرى في القراءة تتحدد أساسًا بحسب إمكانية الوصول: من يستطيع تعلم القراءة؟ ومن يستطيع تحمّل تكلفة شراء كتاب؟ ومن لديه مكتبة قريبة؟ وقد أسهمت الرقمنة بقوة في إزالة بعض هذه الحواجز. لكن سيكون من المفارقة أن ننجح، ونحن نوسّع الوصول إلى النصوص، في جعل الظروف اللازمة لقراءتها بعمق أكثر تفاوتًا.
فالانتباه نفسه موزع بصورة غير متكافئة. وإذا اكتفت المدارس بضمان المهارات الوظيفية الأساسية، بينما تُركت القراءة المعقدة لخلفية كل فرد الأسرية والثقافية، فإن «القراءة الطموحة» قد تصبح شكلًا جديدًا من أشكال رأس المال الثقافي: متوفرة بوفرة لدى البعض ونادرة لدى آخرين.
ويظل الهدف الأساسي لأي سياسة لمحو الأمية هو ضمان ألا يُستبعد أحد من القراءة. لكن طموحنا ينبغي ألا يتوقف عند هذا الحد. فالمجتمع المنصف ليس ذلك الذي يمنح الجميع حدًا أدنى من المهارات، بينما يترك المستويات الأعلى من الكفاءة لمن يستطيعون اكتسابها بوسائل أخرى.
وفي وقت بدأت فيه الآلات تعرض علينا حتى إمكانية أن تقرأ بالنيابة عنا، فهل يمكن أن يعني إضفاء الطابع الديمقراطي على القراءة اليوم ضمان ألا يُضطر أحد إلى التخلي عن فرصة أن يقرأ بنفسه؟