صباح الخير جميعاً،

كم هو مميز أن نكون هنا اليوم.

هل يمكننا أن نحيّي شيخ وفريقه هنا مرة أخرى بتصفيق حار، تقديراً للعمل المكثف الذي بذلوه لتنظيم هذا المؤتمر الرائع وجمعنا جميعاً؟

ولا بد لي أيضاً من توجيه الشكر إلى لجنة البرنامج الرائعة. شكراً لكم على تخصيص وقتكم تطوعاً، وتسخير معارفكم وخبراتكم لإعداد برنامج اليومين المقبلين.

قبل 130 عاماً، وفي مثل هذه الأيام تقريباً، اجتمع مؤسسو الاتحاد الدولي للناشرين في باريس لحضور أول مؤتمر للاتحاد على الإطلاق.

وكأننا نجسد كلمات الروائي الماليزي المولد والحائز على العديد من الجوائز، تان توان إنغ، في روايته «حديقة ضباب المساء»: «سيبقى أثر أبهت الحبر بعد أن تتلاشى ذاكرة الإنسان». ومن خلال وجودنا هنا اليوم، نصبح جزءاً من تاريخ الاتحاد الدولي للناشرين الممتد على مدى 130 عاماً.

في عام 1896، قال جورج ماسون، أول رئيس للاتحاد الدولي للناشرين: «إن المؤتمر الدولي الأول للناشرين هو واحد من بين العديد من التجمعات التي تهدف إلى توسيع العلاقات السلمية بين الأمم، من خلال تشجيع الميل الواضح لدى الشعوب إلى مزيد من التقارب في إطار المصالح المشتركة».

كان ماسون مثالياً بلا شك.

وفي كتاب صدر عام 1996 احتفالاً بالذكرى المئوية لتأسيس الاتحاد الدولي للناشرين، وصف فرناندو غيديس، الرئيس الخامس والعشرون للاتحاد، الظروف المحيطة بانعقاد المؤتمر الأول، بل وأشار إلى ماليزيا أيضاً، وإن كان ذلك، للأسف، في سياق كونها آنذاك جزءاً من الإمبراطورية البريطانية، وفي ظل الاضطرابات السياسية المختلفة التي كانت تمر بها مناطق عديدة من العالم.

كم تغير عالمنا.

وكم تغير قطاعنا.

هل كان مؤسسونا قادرين على تصور ما ينتظرنا؟

حربان عالميتان.

تمكين المرأة.

ظهور الإذاعة، التي كانت تلوح في الأفق آنذاك، ثم التلفزيون، ثم الإنترنت.

الكتب ذات الأغلفة الورقية منخفضة التكلفة.

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

الطباعة والتوزيع الدوليان.

الكتب الإلكترونية.

الانتشار العالمي للدوريات العلمية.

الهواتف الذكية.

الذكاء الاصطناعي.

لكن هل تغيرنا في جوهرنا؟

خلال مؤتمرنا الأول، أشار ماسون إلى الارتباط الوثيق بين النشر والتغير التكنولوجي قائلاً: «ترتبط مهنتنا ارتباطاً جوهرياً بالبدايات الأولى لتاريخ الفكر. فقد ظهرت في اليوم الذي فكرنا فيه، للمرة الأولى، في إعادة إنتاج الأفكار من خلال الرموز والاتجار بهذا الإنتاج. وعندما أتاح لنا الاختراع الرائع للطباعة مضاعفة أعمال الكاتب بلا حدود، برزت فجأة الحاجة إلى تنظيم مادي ظل، حتى يومنا هذا، من مسؤولية الناشر».

ألسنا، نحن الناشرين، ما زلنا نسعى إلى تقديم أفضل القصص للقراء، وإتاحة أفضل الموارد التعليمية، وتيسير تبادل أفضل البحوث العلمية الموثوقة؟

تعيش أزمنتنا اضطرابات، كما كان الحال عام 1896. وفي جوانب كثيرة، تؤدي التكنولوجيات الجديدة إلى انقسام مجتمعاتنا بدلاً من التقريب بينها، كما كان يأمل ماسون. لكن وجودي أمامكم جميعاً الآن يمثل دليلاً على أن الشعوب لا تزال تُظهر ميلاً واضحاً إلى مزيد من التقارب في إطار المصالح المشتركة.

وخلال اليومين المقبلين هنا في كوالالمبور، تتاح أمامنا فرصة ذهبية لجعل هذا الاجتماع ذا أثر حقيقي. فنحن لسنا هنا للحديث عن الماضي، بل لنتصور مستقبلنا.

أعتقد أنه سيكون من الصعب أن أسألكم أين سنكون بعد 130 عاماً. لكن أين يمكن أن نكون بحلول عام 2030؟

في إطار جهودنا للاحتفال بالذكرى السنوية الثلاثين بعد المئة لتأسيس الاتحاد، سألنا أعضاء لجنتنا التنفيذية عن الاتجاهات التي يرصدونها في قطاع النشر عبر مجموعة من المجالات، تشمل التكنولوجيا والمجتمع والاستدامة والسياسة والاقتصاد.

وبطبيعة الحال، يتصدر الذكاء الاصطناعي اهتماماتنا عند الحديث عن التكنولوجيا، إلى جانب التحول في المهارات الذي سيتعين على القوى العاملة في قطاعنا المرور به.

وعلى المستوى المجتمعي، نفكر في كيفية مواصلة أداء دورنا بوصفنا مصدراً موثوقاً في عصر المعلومات المضللة والأخبار الزائفة. كيف سنواصل إشراك القراء والحفاظ على مستويات محو الأمية، مع ضمان ثلاثية الحريات: حرية التعبير وحرية النشر وحرية القراءة؟

كيف يمكننا ضمان النفاذ المستدام إلى المعرفة؟

وكيف ستتطور سلاسل التوريد لدينا لتصبح أكثر ابتكاراً واستدامة؟

وكيف ستؤثر الاتجاهات الجيوسياسية والتحولات في السياسات الوطنية في قطاعنا؟

وكيف سيؤثر تركز السوق، ليس في مجال النشر فحسب، بل في التوزيع وغيره من المجالات أيضاً، في عملنا؟

وأخيراً، كيف سنكافح القرصنة وسرقة الملكية الفكرية؟

وانطلاقاً من هذا السياق، أعددنا مقطع فيديو ورسماً معلوماتياً يتصوران دور الناشرين في المستقبل. ويسعدني أن أشارككم الفيديو بعد لحظات.

وسنرسل أيضاً استبياناً إلى جميع أعضائنا وإلى نطاق أوسع من العاملين في القطاع، لمعرفة رؤيتكم بشأن الاتجاه الذي يسلكه قطاعنا، وما إذا كنا قد حددنا الاتجاهات الصحيحة، وأيها سيكون الأكثر تأثيراً في أسواقكم.

لكنكم لستم مضطرين إلى انتظار الاستبيان. فنحن مجتمعون هنا الآن، وخلال اليومين المقبلين ندعوكم إلى المشاركة الفاعلة في الحوارات الدائرة على المنصة. تحدّوا بعضكم بعضاً، وابحثوا عن المتحدثين الذين تفضلونهم، واطرحوا عليهم الأسئلة، وشاركوا تجاربكم.

وأخيراً، دعوني أطلب منكم أن تتخيلوا منذ الآن ما الذي ستحملونه معكم عند انتهاء هذين اليومين.

وفي كتاب ماليزي آخر بعنوان «مصنع الحرير المتناغم»، كتب المؤلف الحائز على الجوائز تاش أو: «نحن نتحدد من خلال القصص التي نرويها للآخرين عن أنفسنا».

وبصفتنا ناشرين، يمكننا اختيار القصص التي نرويها للآخرين عن أنفسنا. وأريد منكم أن تفكروا في القصص التي ستروونها بعد مغادرتكم، والقصص التي ستنقلونها إلى صناع السياسات ووسائل الإعلام في بلدانكم، والقصص التي ستشاركونها مع اتحادات الناشرين والقراء.

وهذه بعض القصص التي تجعلني فخورة بكوني ناشرة:

على الرغم من تنوعنا، نحمل المعرفة والأفكار الجديدة والقصص الجديدة والتعاطف. وقد أصبحت أعمالنا مجتمعة أفضل مصدر لبيانات تدريب الذكاء الاصطناعي. وكتبنا قيّمة، سواء بصورة منفردة أو مجتمعة.

نتحمل مسؤولية ما ننشره. نستثمر أموالنا، ونتحمل المسؤولية القانونية عن تلك الأعمال.

نحن موجودون من أجل القراء من جميع الأعمار. ويمكننا خلق لحظات مشتركة تجمع الآباء بأطفالهم. وندعم الأطفال في اكتشاف العالم من حولهم. كما يمكننا مساعدة البالغين على فهم عالمهم وإعادة تصوره، وإعادة تأهيل أنفسهم لمسارات مهنية جديدة. ويمكننا بناء جسور بين الأجيال، عبر عقود بل وحتى قرون.

ولا نكتفي بتحمل المسؤولية، بل نتحلى بالشجاعة أيضاً. فمنذ غاليليو وداروين وحتى كثيرين غيرهما اليوم، ننشر القصص والحقائق التي قد تكون خطرة أو مثيرة للجدل، والقصص التي لا يرغب أصحاب النفوذ في سماعها.

وسيشارك معنا على المنصة في وقت لاحق اليوم ناشرون يعيشون في المنفى أو تعرضوا للسجن، لكنهم، وفاءً للروح الحقيقية لجائزة فولتير، يواصلون النشر.

وأنا فخورة بأن الذكاء الاصطناعي، إذا كان له أن يحقق وعوده يوماً ما، فلن يكون ذلك إلا بفضل جودة الكتب التي تنتجونها جميعاً.

هذه بعض القصص التي أعتقد أنها تحدد جوهر النشر.

وفي رسالتي إلى أعضاء الاتحاد الدولي للناشرين في بداية هذا العام، قلت: «تشبه هذه المناسبات فصولاً في كتاب الاتحاد الدولي للناشرين، وقد جعلتني مساهمتي المتواضعة في هذا الكتاب خلال العام الماضي متحمسة لكتابة الفصل التالي. وأتطلع إلى كتابته معكم».

وأكرر ذلك اليوم.

فلنكتب معاً مزيداً من القصص خلال الأيام المقبلة.

شكراً لكم.