من حسن الحظ أن صناعة النشر تولي اهتماماً متزايداً لتعزيز القراءة، وقد لمسنا ذلك مباشرة خلال مؤتمر الاتحاد الدولي للناشرين الذي عُقد مؤخراً جداً في كوالالمبور. وكان انعقاده حديثاً إلى درجة أنني أكتب هذه السطور على متن الطائرة في طريق عودتي إلى مدريد، بعد أن أمضيت ثلاثة أيام ثرية بين أشخاص يكرّسون جهودهم لإيصال الكتب إلى الناس في مختلف أنحاء العالم.
وكانت القراءة موضوعاً متكرراً في الدعوات إلى حرية التعبير والنشر التي أطلقتها غفانتسا جوبافا، رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين، كما حضرت في الحوار حول أهداف التنمية المستدامة الذي أداره جيمس تايلور، مدير الاتصال وحرية النشر في الاتحاد الدولي للناشرين، بمشاركة رومانا كاكيولي من بِن الدولية، وروبرتو بانشيك من مجموعة بنغوين راندوم هاوس للنشر في المكسيك. وبرز الموضوع كذلك في النقاش حول التنوع الذي شارك فيه ميشيل كولمان من «إلسفير» ولويز ستارك من «هاشيت أستراليا ونيوزيلندا».
كما كانت القراءة حاضرة في النقاشات المتعلقة بالكتب التعليمية خلال الجلسة التي أدارها برايان غيلسنان من دار «سي جي فالون» في أيرلندا، وفي الحوار حول سرد القصص عبر الثقافات والقراءة للجيل المقبل، الذي أداره مستشار النشر سيمون دي جوكاس، بمشاركة إلينا بازولي من معرض بولونيا لكتاب الطفل، وداتو أحمد رضا بن أحمد خير الدين من المجلس الماليزي لكتب اليافعين. وبرز الموضوع أيضاً في الجلسة المتعلقة بإتاحة المحتوى التي نظمتها كاريني بانسا من مجموعة «غيراسول» البرازيلية.
وخُصصت كذلك جلسة كاملة لعادات القراءة والتحديات التي تواجهها بلدان عديدة نتيجة تراجع الوقت المخصص للقراءة من أجل المتعة. وقد سعدت كثيراً بإدارة النقاش مع آنا بوركي من مبادرة «أستراليا تقرأ»، ولوه تشين إي من جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة.
وخلال الاجتماعين التحضيريين للجلسة، أثار إعجابي ما تتمتعان به من ذكاء وخبرة واسعة في هذا المجال. وكما توقعت، قدمتا مجموعة ثرية من الأفكار حول التحديات الأساسية التي يتعين علينا تجاوزها لتحسين الوضع، ومستقبل القراءة، والآثار الإيجابية المثبتة للقراءة في جوانب متعددة من حياة الأفراد، والدور الأكثر فاعلية للحكومات، والنهج الأكثر تأثيراً الذي يمكن أن تتبعه صناعة النشر.
وبالنسبة إلى شخص مثلي يعمل في مجال تعزيز القراءة منذ أكثر من عشرين عاماً، وبدأ هذا العمل بتصميم استراتيجية وطنية للقراءة، كان عرض أديبة عمر مميزاً للغاية. فقد استطاعت تقديم منظومة بالغة التعقيد ومجموعة من السياسات العامة الممتدة عبر مجالات عدة بأسلوب جذاب وواضح ومقنع.
ومن جانبها، قدمت الشيخة بدور القاسمي، سفيرة اليونسكو للنوايا الحسنة للتعليم والثقافة الكتابية، عرضاً ملهماً حول دور الناشرين في سد فجوة محو الأمية على الصعيد العالمي. وطرحت مجموعة مدروسة من الأفكار المقنعة بشأن قدرة الناشرين على تغيير الأوضاع التي يتسم فيها النفاذ إلى الكتب بالمحدودية داخل المنازل والمدارس والمكتبات وغيرها.
وقد دوّنت ملاحظات كثيرة ستفيدني في تأملاتي المستقبلية. وكان عرضها مثالاً جيداً وخلاصة لما أود مناقشته في هذا المقال، وهو تصوري بأن تعزيز المبادرات التي توسع نطاق النفاذ إلى القراءة أمام سكان العالم أجمع، بصرف النظر عن أماكن إقامتهم أو ظروفهم الاجتماعية، بات يشكل محور الاهتمام الأكبر لصناعة النشر في الوقت الراهن. كما ينبغي أن يتم هذا النفاذ في ظل حرية كاملة، وأن تكون علاقة الناس بالقراءة تجربة عالية الجودة وغامرة وطموحة.
واكتملت هذه السلسلة من الآراء والرؤى حول واقع القراءة الراهن بعرض قدمه ماركوس دوله. ومن موقعه بوصفه أحد كبار التنفيذيين ذوي الرؤية العالمية، أكد أننا نعيش أفضل مرحلة في التاريخ بالنسبة إلى الكتب والقراءة.
واستندت حجته إلى أساس كمي؛ فبصرف النظر عن مستوى مهارات القراءة أو جودتها، تتسع قاعدة القراء حول العالم عاماً بعد عام، نظراً إلى استمرار ارتفاع أعداد الأشخاص القادرين على القراءة والكتابة. وأوصي كل من لم يحضر المؤتمر بمشاهدة تسجيل كلمته.
وعززت هذه الحوارات مجتمعة قناعتي بأن تعزيز القراءة لم يعد قضية هامشية في قطاع النشر الدولي، بل أصبح إحدى أولوياته الأساسية والمحددة لمساره. وبصفتي رئيس اللجنة الفرعية لمحو الأمية التابعة للاتحاد الدولي للناشرين، كان من المشجع للغاية أن أرى مدى الحضور المتواصل لهذه القضايا على امتداد جلسات المؤتمر، بدءاً من النقاشات حول حرية النشر والنشر التعليمي، وصولاً إلى الحوارات المتعلقة بالإتاحة والتنوع وعادات القراءة.
غادرت كوالالمبور ومعي صفحات من الملاحظات وأفكار جديدة وإحساس متجدد بالهدف. وتستحق الكثير من الرؤى التي طُرحت خلال هذه الأيام الثلاثة مزيداً من الدراسة، وآمل أن أعود إليها في مقالات مقبلة تستكشف ما يمكن أن تعنيه بالنسبة إلينا، نحن العاملين على تعزيز ثقافات القراءة حول العالم.
فرغم انتهاء المؤتمر، فإن أكثر الحوارات إثارة للاهتمام بالنسبة إليّ لم تبدأ سوى الآن.