التقيت هذا الشهر بآن مانغن في براغ، خلال اجتماع نظّمه المختبر الأوروبي للقراءة الرقمية (EDRLab) في إطار مشروع ThinkPub. وهي أستاذة في المركز النرويجي للقراءة بجامعة ستافنغر، وإحدى أبرز المرجعيات الدولية في مجال أبحاث القراءة. وكان من الطبيعي أن تدور أحاديثنا، خلال وجبات الغداء والعشاء، حول كرة القدم و… القراءة.
على مدار الأعوام القليلة الماضية، تبادلتُ أنا ومانغن الخبرات ضمن مجموعة عمل أوروبية تسعى إلى فهم الروابط بين القراءة والتفكير التحليلي، إلى جانب ما يترتب عليها من آثار في التعايش الديمقراطي. ومن أكثر القضايا إلحاحًا التي لاحظناها في المجتمعات التي كانت تتمتع في السابق بعلاقة واسعة الانتشار وصحية مع القراءة، تراجع نسبة الأشخاص الذين يقرؤون في أوقات فراغهم، وانخفاض الوقت الذي يخصصونه للقراءة من جهة، وتراجع بعض مهارات القراءة من جهة أخرى. فكيف يمكننا إلقاء الضوء على هذه القضية؟ وكيف يمكننا تفسير تأثير الشاشات والوسائط الرقمية في مهارات القراءة؟
قالت لي آن: «ثمة تمييز بسيط، لكنه مهم من وجهة نظري، بين أثر الشاشة بوصفها وسيطًا ماديًا للقراءة من ناحية، وأثر التقنيات الرقمية بوصفها بيئات نتفاعل داخلها مع النصوص، فضلًا عن أنواع أخرى من المعلومات والترفيه، حيث يشكّل تعدد المهام واحتمال التشتت عاملين رئيسيين من ناحية أخرى. وتتعلق مسألة وسيط القراءة بالفروق بين قراءة نص خطّي، كقصة قصيرة مثلًا، على جهاز لوحي، وقراءته في كتاب مطبوع. أما مسألة البيئة الرقمية، فتتعلق بكيفية تأثير تعدد المنصات الرقمية واتساع نطاق تفاعلنا معها في تهيئة انتباهنا وإدراكنا وانخراطنا المعرفي عند التعامل مع مختلف أنواع النصوص».
وتبحث آن مانغن في القراءة مستندةً إلى نظريات الإدراك المتجسد والموزع، وتركز على الكيفية التي تشكّل بها التقنيات الرقمية الأبعاد المعرفية والتجريبية للقراءة. ومن خلال الدراسات التجريبية، تبحث في أثر واجهات القراءة المختلفة في عمليات مثل فهم المقروء والانخراط في السرد، عبر مجموعة متنوعة من أنواع النصوص. وقد شغلت منصب رئيسة مبادرة COST Action E-READ، المعنية بتطور القراءة في عصر الرقمنة، وهي عضو في لجنة خبراء حكومية معنية باستخدام الشاشات.
ومع تقدم حوارنا، وجدتُ هذا التمييز مفيدًا بصورة خاصة، لأنه يفصل بين مستويين من التحليل كثيرًا ما يجري الخلط بينهما في النقاشات العامة المتعلقة بالقراءة الرقمية. يتعلق المستوى الأول بالخصائص المادية لوسيط القراءة نفسه، فيما يتناول المستوى الثاني الآثار المعرفية الأوسع نطاقًا الناجمة عن التفاعل المستمر مع البيئات الرقمية.
وقالت آن: «تمثّل مسألة وسيط القراءة نقاشًا أضيق نطاقًا حول الفروق بين الإمكانات التي توفرها الشاشة، سواء كانت شاشة حاسوب محمول أو جهاز لوحي أو هاتف ذكي، وتلك التي يوفرها الورق، وكيف يمكن أن تؤثر هذه الفروق، على سبيل المثال، في فهم المقروء. أما مسألة البيئة الرقمية فتوسّع نطاق النقاش، إذ تركز على الكيفية التي تؤثر بها زيادة تعرضنا لما يسمى بالنصوص المتداولة رقميًا، والتي تأتي عادةً في صورة مقتطفات سمعية بصرية قصيرة لا تؤدي فيها المعلومات النصية المباشرة سوى دور محدود، إن كان لها دور أصلًا، في قدرتنا على التركيز، ومستوى انتباهنا، والعبء المعرفي الواقع علينا، وقدرتنا على المثابرة في أداء المهام التي تتطلب جهدًا ذهنيًا، مثل التفاعل مع نصوص ثابتة من خلال القراءة على مدار فترات زمنية طويلة».
وأضافت: «نظرًا إلى أن معظم ما نتفاعل معه عبر الشاشات، ولا سيما الهواتف الذكية، يتكوّن من مقتطفات سمعية بصرية سريعة الحركة، فإن السؤال عن مدى تأثير ذلك، وكيفية هذا التأثير، في قدرتنا وقدرة الأطفال والمراهقين والشباب على التركيز والانخراط في مهام معرفية صعبة وتستغرق وقتًا طويلًا، وعلى مواصلة بذل جهد ذهني مستدام، أصبح سؤالًا ملحًا».
ولا شك في أن التوجه الملحوظ في عدد من البلدان، مثل دول اسكندنافيا، نحو تقييد استخدام الأجهزة الرقمية أو التعبير عن القلق إزاء تأثيرها في مهارات القراءة، بدأ ينتشر في مناطق أخرى. وتربط آن هذا التوجه بـ«الانخفاض الحاد في نتائج الاختبارات الدولية واسعة النطاق للقراءة والرياضيات، مثل اختبار دراسة التقدم الدولي في القراءة (PIRLS) لطلاب الصف الخامس، وبرنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA) لطلاب الصف العاشر».
وعندما سألتُ آن مانغن عن أهمية الكتب المطبوعة من حيث تجربة القراءة ومعناها، شددت على «الروابط بين قراءة النصوص الطويلة والصحة النفسية، والأهمية الأساسية للقدرة على التفاعل مع المعلومات النصية المعقدة ومتعددة الأبعاد من أجل تكوين مواطنين واعين ومطلعين وفاعلين، تقوم عليهم الديمقراطيات السليمة. ويمكن الاطلاع على بيان ليوبليانا بشأن مهارات القراءة عالية المستوى لمعرفة المزيد حول هذه القضايا».
https://readingmanifesto.org/