قضية ملحّة تتراجع عن دائرة الضوء

خلال جائحة كوفيد-19، كانت البصمة الكربونية لقطاع النشر تحظى باهتمام كبير، وكان الجميع يتساءلون: هل نعمل بطريقة مستدامة؟ وإلى أي مدى تؤثر الكتب سلبًا في البيئة؟

لكن بحلول عام 2026، استحوذ الذكاء الاصطناعي على النقاشات، وأصبحنا نسمع عبارة «سافرنا بالطائرة» أكثر بكثير من عبارة «لنجرب السفر بالقطار». ولم تعد الحجج الأخلاقية الداعية إلى العمل المناخي كافية وحدها لتغيير السلوكيات، بل بات من الضروري تقديم مبررات تجارية واقتصادية أيضًا، تتمثل في خفض التكاليف، والحد من المخاطر، وتلبية توقعات الجهات التنظيمية والشركاء والقراء.

وقد تناولت الجلسة النقاشية التي نظمناها خلال المعرض هذه القضية بصورة مباشرة. وأدارت الجلسة وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للتواصل العالمي، ميليسا فليمنغ، بمشاركة عضوة اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي للناشرين، كريستي هنري، من دار نشر جامعة برينستون، وخبير الأرصاد الجوية في قناة ZDF، أوزدن تيرلي، وداريا سوتوده من حركة «أيام الجمعة من أجل المستقبل».

واستهلت فليمنغ النقاش بتسليط الضوء على مفارقة صارخة؛ فقد كانت السنوات الإحدى عشرة الماضية الأكثر حرارة على الإطلاق منذ بدء تسجيل درجات الحرارة، ومع ذلك، تراجعت التغطية الإعلامية العالمية لقضايا المناخ بنسبة تقارب 40% منذ عام 2021. وفي الوقت الذي تُغلَق فيه الأقسام الصحفية المتخصصة في شؤون المناخ، تتزايد المعلومات المضللة لسد هذا الفراغ، وكثير منها مدعوم بمصالح مرتبطة بصناعة الوقود الأحفوري.

ومن جانبه، وصف تيرلي تأثير هذه الظاهرة من واقع تجربته المباشرة. فخلال موجة الحر القياسية التي شهدتها أوروبا هذا الصيف، واجه سيلًا متواصلًا من الادعاءات التي تصوّر درجات الحرارة المرتفعة على أنها أمر طبيعي. وكانت رسالته واضحة وحاسمة: إننا نعيش اليوم في ظروف جوية مختلفة عما اعتدناه، تؤدي إلى أنماط من الطقس غير مسبوقة، وقد أصبحت بعض تداعياتها حتمية بالفعل.

أما سوتوده، فقد تحدّت التصور السائد لقضية تغيّر المناخ، مؤكدة أنها ليست كارثة بعيدة قد تقع في المستقبل، بل واقع نعيشه بالفعل، وأن التكيف معها يمثل فرصة لتطوير أنماط حياة أفضل.

المناخ قضية أمنية

وقد عكس البرنامج الأوسع لمعرض فرانكفورت الترابط نفسه بين المناخ والأمن. ففي إطار فعاليات «فرانكفورت تنادي» (Frankfurt Calling)، كان من المقرر أن يقدم وزير الاقتصاد السابق روبرت هابيك تحليلًا للعلاقة بين تغيّر المناخ والسياسات الأمنية. ويضع كتابه الجديد «ذوبان القطب الشمالي» (Arctic Meltdown) منطقة القطب الشمالي في صميم النقاش، موضحًا كيف يعيد تغيّر المناخ والتنافس بين القوى الكبرى تشكيل النظام العالمي. كما تناول المحامي المتخصص في حقوق الإنسان فيليب ساندز تداعيات الإبادة البيئية، أي التدمير واسع النطاق للنظم البيئية.

والرسالة الأساسية للناشرين هنا هي أن المناخ لم يعد موضوعًا «أخضر» متخصصًا يقتصر على القضايا البيئية، بل أصبح حاضرًا في قضايا الهجرة والطاقة والدفاع والتجارة والديمقراطية، وبصورة متزايدة، في التشريعات واللوائح التنظيمية. فأي قائمة إصدارات تتناول واحدًا من هذه الموضوعات هي، في جوهرها، قائمة تتصل بقضايا المناخ، سواء أشارت إلى ذلك صراحةً أم لا.

وانتقلت هنري إلى الحديث عن الأساس المعرفي ذاته، مشيرة إلى أن تمويل الأبحاث يواجه ضغوطًا على جبهات متعددة، بدءًا من تفكيك مكتب البحث والتطوير التابع لوكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) في عام 2025، مرورًا بالتخفيضات الكبيرة في ميزانية المؤسسة الوطنية للعلوم (NSF)، وصولًا إلى التقارير التي تحدثت عن خفض تمويل صندوق المناظر الطبيعية الغنية بالتنوع البيولوجي في المملكة المتحدة بمقدار 100 مليون جنيه إسترليني.

وبالنسبة إلى ناشري الكتب العلمية والأكاديمية، لا تمثل هذه التطورات مجرد قضية نظرية؛ فتراجع عدد الدراسات التي تحصل على التمويل اليوم يعني انخفاض عدد الكتب المستندة إلى الأدلة العلمية التي ستصدر غدًا.

ولا جدوى من الحديث عن المناخ ما لم يقترن ذلك باتخاذ إجراءات عملية داخل مؤسساتنا. وفي هذا السياق، برزت أداتان عمليتان نوقشتا خلال المعرض:

  • حاسبة البصمة الكربونية للكتب التابعة للتحالف الأخضر للكتاب (GBA Book Carbon Calculator): أطلق التحالف الأخضر للكتاب (Green Book Alliance)، الذي تقوده بصورة مشتركة مؤسسات التواصل في صناعة الكتاب (BIC)، ومجموعة دراسة صناعة الكتاب (BISG)، وبوك نت كندا (BookNet Canada)، حاسبته المجانية للبصمة الكربونية للكتب في يونيو 2026، كما نظم ورشة عمل قبيل انعقاد معرض فرانكفورت. وتتيح هذه الأداة للناشرين وشركائهم في سلسلة التوريد تقدير البصمة الكربونية لكل كتاب مطبوع على حدة، سواء للمساعدة في اتخاذ القرارات قبل بدء عملية الطباعة، أو لتوثيق الأثر البيئي بعد الانتهاء منها لأغراض إعداد التقارير.
  • مبادرة «فصول مسؤولة» (Responsible Chapters) التابعة للنقابة الوطنية للنشر في فرنسا (SNE): خلال قمتنا السنوية للاستدامة، استمعنا إلى عرض قدمته النقابة الوطنية للنشر في فرنسا، العضو في الاتحاد الدولي للناشرين، حول التقدم المحرز في مبادرتها للمسؤولية البيئية «فصول مسؤولة»، التي أُطلقت عام 2025. وترتكز المبادرة على ثلاثة محاور أساسية، تشمل أداة عملية لحساب الأثر الكربوني تُعرف باسم Livrempreinte، وبرامج تدريب إلكتروني مجانية متاحة لكل من يعمل في دار نشر ويرغب في التعرّف إلى الأثر البيئي للكتاب، إلى جانب تقييم دورة حياة الكتاب. ويمكن الاطلاع على مزيد من التفاصيل حول المبادرة هنا.

ماذا تعني كل هذه التطورات للناشرين؟

برزت ثلاث خلاصات أساسية:

  • إبقاء قضايا المناخ ضمن أولويات النشر: ينبغي مواصلة تقديم القصص والموضوعات المتعلقة بالمناخ عبر مختلف الأنواع الأدبية والمعرفية، بأساليب تجمع بين الجاذبية والأهمية. ويمكن للناشرين إظهار التزامهم بهذا الهدف من خلال الانضمام إلى الميثاق العالمي للناشرين لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
  • مواكبة وتيرة انتشار المعلومات المضللة: يجب أن يتمكن النشر القائم على الأدلة والحقائق من مجاراة سرعة انتشار المعلومات الزائفة المتداولة، بل والتفوق عليها.
  • اتخاذ إجراءات داخل مؤسساتنا أيضًا: إن قياس انبعاثاتنا الكربونية والعمل على خفضها يعززان مصداقيتنا عندما ننشر كتبًا تتناول هذه القضية. كما يسهم التصميم البيئي للمنتجات وتبنّي الخيارات الصديقة للبيئة في خفض التكاليف.

نؤمن في الاتحاد الدولي للناشرين بأن الناشرين يشغلون موقعًا فريدًا في المنظومة المعلوماتية؛ فهم يستثمرون في المؤلفين، ويتحققون من صحة الادعاءات، ويوفرون للأفكار المساحة اللازمة للنمو والتطور. ومع تراجع المؤسسات الإخبارية وتقلص مصادر التمويل، تزداد أهمية هذا الدور.

إن أزمة المناخ لم تختفِ، لكنها أصبحت أكثر عرضة للتجاهل، والناشرون في موقع يؤهلهم للإسهام بفاعلية في ضمان عدم حدوث ذلك.

ولمزيد من المعلومات، ندعوكم إلى زيارة لوحة متابعة أهداف التنمية المستدامة التابعة للاتحاد الدولي للناشرين، وإطلاعنا على الإجراءات المناخية التي تعملون على تنفيذها في إطار حملتنا «1000 إجراء».

كما ندعوكم إلى التوقيع على الميثاق العالمي للناشرين لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.