شهد الشهر الماضي صدور أحدث تقرير للبرنامج الدولي لتقييم الطلبة (PISA)، الذي يتضمن نتائج عام 2025، بما في ذلك نتائج فهم المقروء، والتي تُظهر تراجعًا واسع النطاق في الدرجات المسجلة في معظم البلدان المشاركة.

لا أعتقد أن في القول إننا نعيش لحظة مفصلية في مستقبل البشرية ودور الأدوات الرقمية مبالغة كبيرة. وأشير هنا إلى طبيعة العلاقة الهرمية التي ستتبلور في نهاية المطاف بين البشر ووسائل الأتمتة والأدوات القائمة على النماذج الإحصائية، سواء تلك ذات الطبيعة التوليدية، أو، وهو الأهم بكثير، تلك التي تتمتع بالقدرة على العمل بصورة مستقلة واتخاذ الإجراءات نيابةً عن المستخدمين.

وخلال الأيام القليلة الماضية، انشغلت بالتفكير في طبيعة الحجة التي تقع على عاتقي مسؤولية طرحها في هذه المساحة التي أتاحها لي الاتحاد الدولي للناشرين مشكورًا للتأمل في قضايا محو الأمية. ومن المرجح أن يحتاج كثيرون منا ممن يعملون في هذا المجال إلى تكريس مزيد من الجهد لفهم التيارات العميقة الكامنة وراء هذا التحدي، والتفاعل بين المتغيرات العديدة المرتبطة به.

واليوم، سأسمح لنفسي بقدر كبير من الحرية في اقتباس مقطع من كتاب ألّفته قبل عام، ومن المقرر صدوره باللغة الإسبانية الشهر المقبل بعنوان «متاهة خاصة بي» (Un laberinto propio – A Labyrinth of One’s Own). وبما أن هذه المساحة مدونة، فأعتقد أنه ينبغي أن تتسع من حين إلى آخر للتجارب الشخصية، ولمشاركة الدروس التي قد تظل راسخة في أذهاننا طوال حياتنا. وفي هذه الحالة، تتداخل ذكريات اكتشاف مهم مع التصالح مع قيمة الجهد والتعلّم، ومع إدراك الصلة بين تحديات اللحظة الراهنة وسبل الاستجابة الذكية لها.

وفيما يلي المقطع الذي ترجمته إلى الإنجليزية:

«من الأسباب الأخرى التي تفسر شغفي بكل ما هو إيطالي أن والديّ أرسلاني إلى مدينة هاستينغز عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري لتحسين لغتي الإنجليزية، لكنني عدت منها وقد بدأت أتعلم الإيطالية، لأنني وقعت في حب فتاة من مدينة تريفيزو خلال ذلك الصيف.

وفي الخريف، بعد فترة وجيزة من تلك اللقاءات الصيفية، سواء في ممرات المدرسة المخصصة للطلاب الأجانب أو على الشاطئ ذي الرصيف البحري الذي يذكّر بالرصيف الشهير في برايتون، دخل معلم الأدب إلى فصلنا الدراسي في مدريد ذات يوم، وكتب بضعة أبيات شعرية على السبورة.

كان أسلوبه في الحديث متكلفًا ومبالغًا فيه، وكانت ملابسه غريبة ولافتة للنظر؛ إذ كان يرتدي بدلات بيضاء بخطوط سوداء، أو العكس، ويضع منديلًا في جيب سترته العلوي، ويعتمر قبعات مميزة، وينتعل أحذية بلونين.

أتذكر أن أحد زملائي في الفصل كان يضحك عليه باستمرار، أم كنا جميعًا نفعل ذلك؟ أما الفتيات، فلم يشاركن في السخرية منه. ويبدو لي الآن واضحًا أنهن كن أكثر ذكاءً منا بكثير.

لكن ذلك المعلم أدهشني في ذلك اليوم. فقد بدأ بكتابة سونيتة من كتاب دانتي «الحياة الجديدة» (Vita nuova) على السبورة باللغة الإسبانية، ثم نسخ مقطعين باللغة الإيطالية («A ciascun’alma presa e gentil core…»). وأخذ يضع خطوطًا تحت الكلمات، ويرسم وصلات بين النسختين، ويشرح معنى كل لفظة في سياق حب دانتي لبياتريتشي.

كانت تلك لحظة انكشاف وإلهام. فقد شعرت بأنني أشبه ذلك المراهق الذي التقى فتاة في شوارع فلورنسا دون أن يجرؤ على التحدث إليها، ومع ذلك شعر نحوها بتعلق عميق لا يستطيع تفسيره.

كنت ذلك الفتى الذي عجز عن النوم وهو يستعيد النظرة التي وجهتها إليه عندما ألقت عليه التحية على رصيف محطة القطار، خلال رحلتنا إلى مدينة راي، بينما كانت صديقاتها يضحكن ويتهامسن بشيء ما بالإيطالية.

وتظهر واقعة التحية تلك، التي تحدث لدانتي بعد عدة سنوات، في أحد المقاطع السردية من القسم الثالث من كتاب «الحياة الجديدة»، عندما تنظر بياتريتشي بورتيناري إلى دانتي فتتغير حياته إلى الأبد.

وقد قرأ لنا معلمنا ذلك المقطع: «وبينما كانت تسير في أحد الشوارع، التفتت بعينيها نحو الموضع الذي كنت أقف فيه خائفًا… وألقت عليّ التحية بفيض من الفضيلة، حتى خُيّل إليّ أنني بلغت أقصى مراتب النعيم».

كان ذلك المعلم عبقريًا. وقد حالفني الحظ بأن تتلمذت على أيدي عدد من المعلمين الذين غيّروا حياتي.

ولم يكتفِ هذا المعلم بشرح المعنى العام للعمل، بل علّمنا أيضًا الجمال الموسيقي لبنائه الشعري؛ وكيف يتوافق السطر الأول من كل مقطع ثلاثي في القافية مع السطر الثالث، بينما يرتبط السطر الثاني بالسطرين الأول والثالث من المقطع الثلاثي التالي.

وكما كتب دانتي: «وعندما رأيتها، شعرت بأنها تختلف عن جميع النساء الأخريات اختلافًا كبيرًا…»، فقد أذهلتني قوة تلك الكتابة.

وعندما يسألني الصحفيون عن كيفية تشجيع الشباب على القراءة، أجدني أميل إلى تكرار الفكرة نفسها: يجب أن يكون للأدب معنى في حياتهم، لأنهم يرون أنفسهم فيه، أو لأنهم يجدون بين صفحاته شخصية أو موقفًا أو سؤالًا يعكس شيئًا من تجاربهم الخاصة.

وبعبارة أخرى، من المفيد أن يتمكنوا من طرح السؤال التالي على أنفسهم: «ما الذي يجمعني بدانتي؟»

ويقودنا ذلك إلى نقاش آخر: ما نوع القراءة الذي ينبغي أن نشجع عليه؟

وبحكم عملي المهني في هذا المجال، أدرك أن الدعوة إلى تعزيز «القراءة الطموحة»، أي القراءة التي تتطلب جهدًا فكريًا، قد تثير قدرًا من الريبة.

ففي مجتمعنا، أصبحت مخالفة الأفكار السائدة تنطوي على مخاطر متزايدة. وفي إسبانيا، تقوم هذه الأفكار على ضرورة تعميم القراءة في مختلف فئات المجتمع، وهو أمر أتفق معه تمامًا؛ وكيف لي ألا أتفق معه، وقد كرّست حياتي المهنية لهذا الهدف تحديدًا؟

غير أن كثيرًا من سدنة هذه «العقيدة» يرون أيضًا أن تحقيق الشمول يقتضي التخلي عن التميز. وهنا تحديدًا يكمن اختلافي معهم.

أؤمن بأن ضمان محو الأمية وإتاحة الوصول إلى الكتب عالية الجودة يتوافق تمامًا مع الدعوة إلى نمط من القراءة يتسم بالتعقيد والانغماس والالتزام المتواصل على مدى فترات طويلة.

ولا يقتصر الأمر على مجرد التوافق بين الهدفين، بل إن الجمع بينهما أكثر اتساقًا ومنطقية.

ولا تعني هذه الدعوة العودة إلى نظام تعليمي يقتصر على قلة من أصحاب الامتيازات، كما كان الحال في فلورنسا خلال الفترة التي أعقبت طفولة دانتي.

ولست أشير إلى الوضع الذي يصفه أليساندرو باربيرو عندما يقتبس من جيوفاني فيلاني قوله: «كان ما بين ثمانية آلاف وعشرة آلاف فتى وفتاة يتعلمون القراءة، وما بين ألف وألف ومئتي فتى يتعلمون الحساب، بينما كان ما بين خمسمئة وخمسين وستمئة يدرسون اللاتينية والمنطق».

إن الدعوة إلى القراءة الطموحة، كما يقترح بيان ليوبليانا، ليست موقفًا نخبويًا. بل على العكس تمامًا، فإن التخلي عن هذا الهدف يضعف مهارات القراءة والإبداع والصحة الإدراكية وقدرتنا على خوض النقاش الديمقراطي».

آمل أن يضطلع الاتحاد الدولي للناشرين بدور متزايد الأهمية في التأكيد على ضرورة أن تجعل الأنظمة التعليمية تنمية مهارات القراءة والكتابة أولوية أساسية. وينبغي التعامل مع نتائج اختبار PISA باعتبارها جرس إنذار يدعونا إلى التحرك. فقد حان الوقت للاستفادة من هذه الأدلة ووضع برنامج عمل متكامل للاستجابة لها.

ومع مرور كل يوم، أجد نفسي أكثر تصميمًا على الدفاع عن القراءة الطموحة بوصفها هدفًا تعليميًا ينبغي ضمان إتاحته بصورة عادلة لكل فرد من أفراد الجيل الجديد.

ولطالما وجدت الناشرين من بين أكثر الفئات إصرارًا على الأهمية البالغة لتعزيز القراءة. ولا يعود ذلك ببساطة إلى أن تنمية جمهور القراء أمر أساسي لضمان الطلب على الكتب واستدامة صناعة النشر، بل أيضًا إلى أن الناشرين، بحكم تعاملهم اليومي مع الكتب والقراء، يدركون بوضوح خاص أن وجود مواطنين يتمتعون بمهارات قراءة متقدمة يشكّل رصيدًا استراتيجيًا لأي مجتمع يتطلع إلى العيش بحرية والحفاظ على التعايش الديمقراطي.