أصدقائي الأعزاء،

اسمحوا لي أن أبدأ بتوجيه التحية إلى الاتحاد الدولي للناشرين على تنظيم هذا المؤتمر المتميز، وأن أعرب عن بالغ امتناني للمنظمين لمنح «المرايا» جائزة فولتير لعام 2026.

يشرفنا هذا التقدير العميق، ولا يسعنا إلا أن نأمل أن نكون على قدر الثقة التي يجسدها.

تأسست «المرايا» عام 2016 انطلاقًا من رسالة بسيطة، وإن كانت طموحة، تتمثل في توفير منصة للأصوات الشابة المنبثقة عن التيارات الديمقراطية والليبرالية الجديدة في مصر، وللرؤى النقدية التي كثيرًا ما تواجه صعوبة في إيجاد مساحة داخل الخطابات الفكرية والسياسية السائدة.

وقبل ذلك بأعوام قليلة، وتحديدًا في عام 2011، شهدت مصر ثورة شعبية حاشدة رفعت مطالب العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. وقد سبقت تلك اللحظةَ عشرةُ أعوام من النشاط السياسي والحراك المدني الداعم للديمقراطية وحقوق الإنسان.

وقد أسفرت هذه السنوات مجتمعةً عن ظهور جيل جديد من الكتّاب والباحثين والمثقفين المنخرطين في الشأن العام، الذين سعوا إلى تحدي الافتراضات الراسخة، ومساءلة المسلّمات الموروثة، وتخيّل إمكانات ديمقراطية جديدة لمجتمعهم.

إلا أن الزخم الشعبي الذي حمل تلك التطلعات بدأ في التراجع بعد عام 2013. وتقلصت تدريجيًا المساحات المتاحة للتعبير أمام جيل كان يحلم بالديمقراطية والتغيير السياسي. كما تضاءلت الفرص المتاحة للأصوات المستقلة والنقدية، وأصبح نشر الأفكار التي تخرج عن السرديات السائدة أكثر صعوبة.

وفي هذا السياق، وُلدت «المرايا» بوصفها مؤسسة ثقافية مكرسة لبناء الجسور مع الكتّاب والباحثين والمثقفين المنتمين إلى التيارات الديمقراطية، ولا سيما الأجيال الشابة، وربطهم بمجتمع أوسع من القراء. وكان هدفنا الإسهام في إيجاد مساحة جديدة للمعرفة النقدية والتحررية داخل بيئة اجتماعية وفكرية كثيرًا ما تتسم بالمحافظة والجمود والارتياب من الآراء المخالفة.

وعلى مدار العقد الماضي، نشرت «المرايا» عشرات الكتب التي تعيد قراءة التاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي لمصر الحديثة وتفسيره من خلال رؤى جديدة ووقائع جرى تجاهلها في السابق. كما نشرنا أعمالًا تتناول بعضًا من أكثر القضايا إلحاحًا وتأثيرًا في الحياة اليومية للمصريين، ومنها التضخم والفقر والتعليم والرعاية الصحية والإسكان والتنمية العمرانية.

وفي الوقت نفسه، سعينا إلى إيصال أصوات غالبًا ما يجري تهميشها، فنشرنا كتبًا تسلط الضوء على تجارب النساء والأقليات الدينية وغيرها من المجتمعات ضعيفة التمثيل ورؤاها. كما أصدرنا أعمالًا تتناول السياسات الإقليمية والدولية المعاصرة، والتحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية، والأشكال المتغيرة للقوى الإمبريالية في العالم الحديث.

وإلى جانب هذه الجهود، نشرنا عشرات الأعمال الأدبية لكتّاب صاعدين يتميزون بأصوات جريئة وأصيلة وتجريبية، لكنهم كثيرًا ما لا يحظون بفرص كافية للنشر.

ولأن «المرايا» مؤسسة ثقافية متنوعة، فإن عملنا يمتد إلى ما هو أبعد من الكتب وحدها. وانطلاقًا من المبادئ ذاتها، نصدر مجلة إلكترونية متخصصة في الدراسات الثقافية، وننتج أفلامًا وثائقية، وننظم برامج تدريبية، ونقدم سلاسل من المدونات الصوتية التي تسعى إلى توسيع نطاق الوصول إلى المعرفة النقدية والنقاش العام.

ومع مرور الوقت، نجحت «المرايا» في بناء مجتمع واسع من القراء والمتابعين. إلا أن طبيعة رسالتنا الثقافية، والرؤى النقدية التي تعكسها منشوراتنا، عرّضتنا لضغوط مؤسسية عديدة شكّلت تحديًا لعملنا منذ بدايته، وما تزال مستمرة حتى اليوم.

ورغم هذه الضغوط المتواصلة، نظل متمسكين برسالتنا، ومصممين على مواصلة الطريق.

نظل ملتزمين بحق الناس في المعرفة، وبحق الكتّاب والباحثين في التعبير عن أفكارهم بحرية.

ونظل عازمين على إنتاج رؤى تحررية وأشكال نقدية من المعرفة تفتح آفاقًا جديدة أمام الفكر الحر، وترسخ الانفتاح الفكري في مواجهة التعصب والدوغمائية والخوف من الاختلاف.

وفوق كل شيء، نظل أوفياء للحلم الديمقراطي الذي انطلقنا منه. ونحن مصممون على الحفاظ عليه، وتجديده، والمساهمة في إعادة بنائه، أملًا في أن يقودنا يومًا ما إلى عالم أكثر حرية وعدلًا وإنسانية.

شكرًا لكم.