اسمي خوسيه بورغينو، وأنا الأمين العام للاتحاد الدولي للناشرين (IPA).
بادئ ذي بدء، أود أن أتوجه بالشكر إلى المؤسسة اليونانية للكتاب والثقافة (HFBC) على دعوتي ودعوة زميليَّ المتحدثين للمشاركة في هذه الجلسة اليوم. وقد كان معرض سالونيك من أوائل معارض الكتب التي زرتها عندما بدأت عملي مديراً للسياسات في الاتحاد الدولي للناشرين قبل 13 عاماً. كما دعت المؤسسة خلال العامين الماضيين كلاً من رئيسة الاتحاد، غفانتسا جوبافا، ونائب الرئيس، جيوفاني هويبلي، للتحدث هنا. ولذلك يسعدني أن أسهم في ترسيخ العلاقة القوية والمثمرة التي تجمع بين المؤسسة والاتحاد.
وقد طُلب مني إدارة جلسة اليوم. وسأبدأ بتقديم زميليَّ المشاركين، اللذين سيتحدث كل منهما لنحو عشر دقائق، ثم نفتح باب النقاش لاستقبال أسئلتكم.
تحمل جلسة اليوم عنوان «التحديات والتشريعات الجديدة وحرية التعبير»، ويشير وصفها إلى ما يلي:
«تتناول هذه المناقشة الكيفية التي تؤثر بها الأطر التنظيمية الناشئة، مثل قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي والتشريعات الرقمية ذات الصلة، في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل قطاع النشر. كما يبحث المتحدثون سبل تحقيق التوازن بين الابتكار وحقوق المبدعين وحرية التعبير، وتحليل الكيفية التي يمكن من خلالها حماية الملكية الفكرية وضمان المساءلة من دون تقييد حرية التعبير أو الاستقلال التحريري».
وسنعود إلى هذا الوصف بعد قليل.
المتحدثة الأولى معنا هي جيسيكا سانغر، مديرة الشؤون الأوروبية والدولية في اتحاد الناشرين وبائعي الكتب الألماني، والرئيسة الحالية للجنة حرية النشر التابعة للاتحاد الدولي للناشرين، والرئيسة السابقة للجنة حقوق المؤلف في الاتحاد. وستركز جيسيكا على حرية النشر وحرية التعبير في ضوء تأثير التشريعات الحالية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
أما المتحدثة الثانية فهي الدكتورة كريستينا بانو، أستاذة سياسات الكتاب والنشر في الجامعة الأيونية في كورفو. وتشمل مجالاتها البحثية الرئيسية نشر الكتب وسياسات الكتاب وتاريخ صناعة النشر. وستقدم اليوم قراءة تستند إلى تاريخ الكتاب المطبوع لاستشراف الوجهة التي قد نسلكها مستقبلاً.
لكنني سأبدأ أولاً بتهيئة أرضية النقاش من خلال بعض الأفكار التمهيدية، وربما المثيرة للجدل.
يصادف هذا العام الذكرى الـ130 لتأسيس الاتحاد الدولي للناشرين، الذي يضم اليوم 106 أعضاء في 85 دولة. ومن بين هؤلاء الأعضاء اتحاد ENELVI، وهو اتحاد مرموق للناشرين هنا في اليونان. كما نتعاون بصورة وثيقة مع نظيرتنا الأوروبية، اتحاد الناشرين الأوروبيين (FEP)، الذي يضم أيضاً عدداً من اتحادات الناشرين اليونانية. ويسعدني أن أرى هنا في المعرض كلاً من كوستاس داردانوس، رئيس ENELVI، وفيدون كيدونياتيس، نائب رئيس اتحاد الناشرين الأوروبيين.
يستند عمل الاتحاد الدولي للناشرين إلى ركيزتين أساسيتين: حقوق المؤلف وحرية النشر. لكننا نعمل أيضاً على قضايا أخرى، من بينها النشر التعليمي وإتاحة المحتوى والتنوع والاستدامة وغيرها.
وانطلاقاً من هاتين الركيزتين، يسعدني أن أشارك اليوم في هذه المناقشة حول التحديات والتشريعات الجديدة وحرية التعبير.
وفي غضون أسابيع قليلة، سيعلن الاتحاد الدولي للناشرين القائمة القصيرة لجائزته المعنية بحرية النشر، وهي جائزة فولتير السنوية التي تحتفي بشجاعة الناشرين الذين يواصلون نشر الأعمال على الرغم مما يواجهونه من استنكار أو مضايقات أو حتى تهديدات بالقتل من جانب الحكومات وغيرها من الجهات. وسنعلن القائمة خلال منتدى حرية التعبير العالمي في مدينة ليلهامر بالنرويج، الذي يحمل هذا العام شعار «حرية الاختلاف».
وما دمت في اليونان، مهد الديمقراطية الغربية، فأرجو ألا تمانعوا أن أمارس أنا أيضاً حريتي في الاختلاف.
مع كامل الاحترام، أود أن أعرب عن اختلافي مع الطريقة التي صيغ بها موضوع جلسة اليوم، ولا سيما أنها جلسة موجهة إلى جمهور من المتخصصين في قطاع النشر.
فهذه الصياغة تضع، على نحو غير دقيق، التكنولوجيا الحديثة وحقوق المؤلف في مواجهة حرية التعبير، حين تقول: «يبحث المتحدثون سبل تحقيق التوازن بين الابتكار وحقوق المبدعين وحرية التعبير، وتحليل الكيفية التي يمكن من خلالها حماية الملكية الفكرية وضمان المساءلة من دون تقييد حرية التعبير أو الاستقلال التحريري».
والكلمة التي تتحمل العبء الأكبر في هذه الجملة هي «التوازن». اعذروا نزعة التشكيك لديَّ — وهي كلمة يونانية الأصل أيضاً — لكن ما يُسمى بـ«التوازن» هو ما دأبت شركات التكنولوجيا على المطالبة به عند كل منعطف، على مدار أكثر من ربع قرن. وليس ذلك في جوهره سوى مسعى لإضعاف قوانين حقوق المؤلف.
وهذا المسعى منسق على نطاق عالمي: في التشريعات الأوروبية، وفي المملكة المتحدة، وسنغافورة، واليابان، ونيوزيلندا، وأستراليا، وجنوب أفريقيا، وكوريا، وكينيا، وتايلاند. اختاروا أي ولاية قضائية، وستجدون شركات التكنولوجيا الكبرى ومن يساندونها يسعون إلى اقتطاع جزء إضافي من حقوق المؤلف هنا أو هناك، استثناءً تلو الآخر وقيداً بعد الآخر.
ونرى ذلك أيضاً في المنظمة العالمية للملكية الفكرية في جنيف، حيث يتزايد باستمرار الضغط على حقوق المؤلف وعلى المعاهدات الدولية التي تستند إليها.
فهل من «التوازن» أن تتمكن شركات التكنولوجيا الكبرى من كشط محتوى الإنترنت والاستحواذ على تريليونات الكلمات من أعمال مقرصنة، لتغذية الشهية التي لا تشبع لنماذجها اللغوية الكبيرة؟
يمكن النظر إلى ثورة الذكاء الاصطناعي من خلال الأرقام الفلكية التي أفرزتها. فعلى سبيل المثال:
من المتوقع أن ينمو سوق الذكاء الاصطناعي التوليدي بنسبة 47% خلال الفترة من 2024 إلى 2030، ليصل إلى 356 مليار دولار أمريكي. وتذهب التوقعات طويلة الأجل إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ تتوقع بلومبرغ أن تتجاوز قيمة السوق عالمياً 1.3 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2032.
وتزداد الأرقام إثارة للدهشة. فوفقاً لصحيفة The Guardian في أواخر عام 2025، أعلنت غوغل أنها تعتزم إنفاق 85 مليار دولار أمريكي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية خلال عام 2025، وأنها تتوقع زيادة هذا الإنفاق مجدداً في عام 2026.
كما أفادت ثلاث شركات تكنولوجية عملاقة أخرى — Meta ومايكروسوفت وأمازون — بأنها أنفقت مجتمعةً 155 مليار دولار أمريكي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال عام 2025.
أما في السنة المالية المقبلة، فسيزداد إجمالي الإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا الكبرى بصورة أكبر: إذ تخطط مايكروسوفت لإنفاق نحو 100 مليار دولار أمريكي، وتتوقع Meta إنفاق ما بين 66 و72 مليار دولار، وتخطط Alphabet لإنفاق 85 مليار دولار. كما قدرت أمازون إنفاقها لعام 2025 بنحو 100 مليار دولار أمريكي.
وبحسب صحيفة The Wall Street Journal، ستنفق شركات التكنولوجيا الأربع مجتمعةً أكثر من 400 مليار دولار أمريكي في عام 2026.
أما المفارقة المؤلمة فهي أن هذه الشركات العملاقة تواصل إنفاق مبالغ يصعب تصديقها، وفي الوقت ذاته تدعي أنها لا تستطيع تحمل تكلفة دفع مقابل مادي لأصحاب الحقوق عن المحتوى الذي استولت عليه بصورة غير قانونية من الإنترنت. وهي مفارقة لا تغيب عن العاملين الكثيرين الذين تهدد موجة الذكاء الاصطناعي سبل عيشهم. فهل هذا هو ما تقصده شركات التكنولوجيا الكبرى حين تتحدث عن «التوازن»؟
لذلك أرجو ألا نستخدم، في ما بيننا نحن العاملين في مجال النشر، الأطر المشوّهة ذاتها التي تفرضها شركات التكنولوجيا الكبرى على النقاش.
لا ينبغي وضع حقوق المؤلف وحرية التعبير، وما يمتد عنهما من حرية النشر، في مواجهة التكنولوجيا الحديثة سعياً إلى «التوازن». فاتفاقية برن، وهي المعاهدة التي يستند إليها نظام حقوق المؤلف، تتسم بالتوازن في جوهرها؛ إذ تمنح المبدعين ووكلاءهم، ومن بينهم الناشرون، حقوقاً استئثارية، وتجيز في الوقت نفسه فرض استثناءات وقيود على هذه الحقوق، شريطة أن تكون هذه الاستثناءات والقيود متوازنة في حد ذاتها وألا تكون واسعة بصورة مفرطة.
وينطبق الأمر ذاته إلى حد بعيد على حرية التعبير التي يتمتع بها الناشرون والمبدعون. فلكم أن تقولوا ما تشاؤون. بل إن جانباً كبيراً من التقدم العلمي على مدار السنوات الخمسمائة الماضية قام على أشخاص طرحوا أفكاراً لم تكن مقبولة في عصرهم. هل تدور الأرض حول الشمس؟ هل توجد نظرية للتطور؟ في كلتا الحالتين، وقف ناشرون إلى جانب هؤلاء العلماء في مواجهة المناخ الفكري السائد آنذاك.
إن أكبر الشركات التي عرفها العالم على الإطلاق هي شركات التكنولوجيا التي تهيمن على حياتنا. وهذه الشركات لا تريد أن تدفع مقابل استخدام أعمالكم، بل لا تريد حتى أن تحاول ذلك. إنها تريد تدريب آلات الكتابة القائمة على الذكاء الاصطناعي باستخدام كتبكم.
وهي تريد استخدام كتبكم لأنها تدرك قيمتها، وتعلم أن كتبكم تمثل أفضل مصادر الكتابة الاحترافية المحررة بعناية. تعرف ذلك، لكنها ترفض الدفع. فهل هذا هو «التوازن»؟
اسمحوا لي الآن أن أعترف بالتناقض الحقيقي الذي يواجهه الناشرون. فهذه الأدوات الثورية الحديثة تقوم على سرقة أعمالنا. لكن الناشرين كانوا دائماً من أوائل المتبنين للتكنولوجيا الحديثة، إذ يسعون باستمرار إلى اكتشاف سبل جديدة لإيصال أفضل القصص إلى القرّاء. ويستخدم الناشرون بالفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي في أعمالهم.
لذلك، فإن رفض سرقة أعمالنا لا يحول دون استخدامنا هذه التقنيات الحديثة. لكن الفرق هو أن الناشرين يدفعون مقابل الحصول على هذا الحق، بينما لا تفعل شركات التكنولوجيا الكبرى ذلك.
ولا ترغب شركات التكنولوجيا العملاقة في احترام حقوقكم أو نماذج أعمالكم.
كما ترفض هذه الشركات تحمّل مسؤولية ما يُنشر عبر منصاتها، وتتصرف كما لو كانت «الخوارزمية» كياناً مستقلاً لا يتلقى أي توجيهات. وتؤدي هذه الخوارزميات إلى تعميق الاستقطاب، ولا تتغذى على الاختلاف الصحي في الرأي، بل تروّج للغضب والمواجهة، وكل ذلك تحت مظلة «حرية التعبير»؛ وهي «حرية التعبير» ذاتها التي استُخدمت ذريعةً لاقتحام مبنى الكابيتول في واشنطن العاصمة في 6 يناير 2021.
أما الناشرون، فيتحملون المسؤولية الكاملة عن كل ما ينشرونه. فنحن نخضع للمساءلة بصورة كاملة، ونطبع عناويننا داخل كل كتاب. ويمكن مقاضاتنا أمام المحاكم.
ينبغي ألا نقبل بهذه الثنائيات الزائفة: الابتكار في مواجهة حرية التعبير. فالابتكار المستدام يجب أن يحترم حرية التعبير، ويجب أن يحترم حقوق المؤلف.
فماذا ينبغي لدولة ذات سوق لغوية محدودة أن تفعل؟
تقع الحكومات في فخ الخطاب الذي تروّج له شركات التكنولوجيا الكبرى، ومفاده: امنحونا جميع محتوياتكم مجاناً، وإلا ستتخلفون عن الركب. لكن ثمة مساراً آخر.
يمكن للحكومات أن تتعاون بصورة وثيقة مع الناشرين وغيرهم من المبدعين لتطوير نماذج تعترف بمصادر الأعمال المحمية بحقوق المؤلف، وتدفع مقابلاً لاستخدامها. وإذا أضفنا إلى ذلك جميع الأعمال المتاحة ضمن الملكية العامة، نبدأ في بناء مدونة نصية مستدامة.
ومن البيانات اللافتة أن شركات الذكاء الاصطناعي بدأت تنفد منها الكلمات. وتشير التقديرات إلى أن البيانات الأصلية المفيدة لهذه الشركات والمتاحة على الإنترنت قد تنفد خلال عام 2026، لأنها تستهلكها بوتيرة أسرع من معدل إنتاجها.
ومن ثم، فإن النظام الذي يساعد على إنتاج أعمال جديدة، من خلال دفع مقابل لاستخدام الأعمال التي أُنتجت بالفعل، قد يمثل إحدى سبل معالجة هذه المعضلة. وهذا يبدو أقرب إلى «التوازن» الحقيقي. بل إنه يشبه حقوق المؤلف إلى حدّ كبير.
ومن الضروري أن ندافع عن هذين المبدأين الجوهريين في قطاعنا: حقوق المؤلف وحرية النشر.
كما يجب دعم اتحادات الناشرين في بلدانكم، ودعم الاتحاد الإقليمي الذي يمثلكم، وهو اتحاد الناشرين الأوروبيين، ومساندتنا جميعاً من خلال إبلاغنا بأي مشاورات حكومية أو مقترحات تشريعية جديدة.
علينا أن نعرض قضيتنا بصورة جماعية أمام حكوماتكم، التي قد تخشى التخلف عن سباق الذكاء الاصطناعي، وقد تكون مستعدة للتضحية بناشريها ومبدعيها في سبيل تحقيق تقدم سريع على المدى القصير، أو سعياً وراء الوعد الوهمي بإنشاء بضعة مراكز للبيانات على أراضيها.
ينبغي أن نناضل معاً، لأن من لا يناضل يخسر.
وعلى الرغم من جميع الموارد التي تمتلكها شركات التكنولوجيا الكبرى، لا يزال بإمكانكم المقاومة وتحقيق الفوز.
فقد نجح عضو الاتحاد في السويد مؤخراً في إبرام اتفاق عادل لتعويض المبدعين، في إطار تطوير نموذج لغوي كبير للذكاء الاصطناعي باللغة السويدية.
كما نسّق عضو الاتحاد في المملكة المتحدة جهوده مع مختلف الصناعات الإبداعية ووسائل الإعلام البريطانية لمنع الحكومة البريطانية من إضعاف حقوق المؤلف. وقد تمكنوا من حشد دعم جماهيري واسع لحقوق المبدعين، ولم تستطع الحكومة تجاهله.
وفي أكتوبر من العام الماضي، أصبحت أستراليا أول دولة في العالم تستبعد استحداث استثناء من حقوق المؤلف لصالح منصات الذكاء الاصطناعي. وجاء ذلك نتيجة حملة مكثفة قادها ائتلاف من مؤسسات القطاعات الإبداعية، من بينها عضو الاتحاد، جمعية الناشرين الأسترالية.
أما عضو الاتحاد في الولايات المتحدة، فيواصل دعم الناشرين بجدية أمام المحاكم في عشرات القضايا ضد منصات الذكاء الاصطناعي. وقد أسهم الاتحاد الدولي للناشرين في هذه المعارك من خلال تقديم مذكرتين قانونيتين بصفته صديقاً للمحكمة.
ويدعم عضو الاتحاد في فرنسا إقرار افتراض قانوني باستخدام الأعمال الإبداعية في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي.
وثمة عدد متزايد من هذه الأمثلة. ويتمثل المفتاح في التعاون، وفي تذكّر أن حقوق المؤلف هي العنصر الذي يحقق التوازن داخل المنظومة، والضمانة لاستمرار منظومة مستدامة في المستقبل، تتيح إنتاج أعمال جديدة وجريئة وملهمة من إبداع البشر.
وسيظل الاتحاد الدولي للناشرين إلى جانبكم لدعمكم.
شكراً لكم.