ألقى المحاضرة هذا العام اللورد القاضي ريتشارد أرنولد، وهو قاضٍ بارز في مجال قانون الملكية الفكرية، حيث قدّم محاضرة بعنوان «الطابع الإقليمي لحقوق النشر تحت الضغط: تداعياته على صناعة النشر». وقد تناولت المحاضرة مجموعة من المحاور، من بينها التحديات الهيكلية التي تواجه النشر المعاصر، بدءًا من استنفاد الحقوق وتطور سوق الكتب الإلكترونية والإعارة الرقمية، وصولًا إلى تعقيدات الترخيص الجماعي وتأثيرات الذكاء الاصطناعي.
وانطلقت المحاضرة من سؤال طرحه تشارلز كلارك في ورقة بعنوان «الإجابة على الآلة هي الآلة»، نُشرت خلال مؤتمر دولي حول مستقبل حقوق النشر في البيئة الرقمية عام 1995: «إن نظام حقوق النشر لدينا، بوصفه الركيزة الأساسية لمبدأ المعاملة الوطنية في اتفاقية برن، يقوم بوضوح على الدولة القومية. فهل يستطيع الناشرون الحفاظ على الطابع الإقليمي لحقوق النشر في بيئة تتسم بتدفق عابر للحدود لا يمكن وقفه للمعلومات عبر الطرق السريعة الرقمية؟»
وأشار اللورد القاضي ريتشارد أرنولد إلى أن هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحًا مع مرور الوقت. فالنظام الدولي لحقوق النشر، المستند إلى اتفاقية برن، لا يزال قائمًا على مبدأ الإقليمية، ما يعني أن كل دولة تمنح حقوق نشر تخضع لقوانينها الوطنية ولا تسري إلا ضمن حدودها الجغرافية. وبالتالي، يتكوّن هذا النظام من حقوق وطنية منفصلة يمكن استغلالها بشكل مستقل، وتتطلب إنفاذًا قانونيًا منفصلًا في كل دولة.
وأكد أن هذا النظام الإقليمي يواجه تحديات متزايدة، ليس فقط من شبكة الإنترنت العالمية، بل أيضًا من المنصات الرقمية العالمية والتقنيات الحديثة مثل البث التدفقي، والشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، والذكاء الاصطناعي التوليدي. ثم انتقل إلى استعراض عدد من التهديدات التي تُظهر أن مبدأ الإقليمية يتعرض لضغوط، لكنه لا يزال قائمًا ويؤدي وظيفته حتى الآن.
استنفاد الحقوق
تُعد حقوق النشر، شأنها شأن معظم حقوق الملكية الفكرية، حقوقًا محدودة. فعندما يتم بيع نسخة معينة من عمل محمي بحقوق النشر من قبل صاحب الحق أو بموافقته، يُقال إن حق التوزيع (أي الحق في إتاحة نسخ من العمل للجمهور) قد استُنفد. وهذا يعني أن إعادة بيع تلك النسخة لاحقًا لا تُعد انتهاكًا لحق التوزيع.
وعلى خلاف العديد من مجالات القانون الدولي، لا يخضع مبدأ استنفاد الحقوق لتنظيم دولي موحّد، بل توجد ثلاثة نماذج رئيسية: الاستنفاد الوطني، الاستنفاد غير المتكافئ (أو الإقليمي الجزئي)، الاستنفاد الدولي. ففي حين تطبق الولايات المتحدة مبدأ الاستنفاد الدولي، مما يسمح بالاستيراد الموازي، تبنّت المملكة المتحدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي نظامًا غير متكافئ، حيث تُستنفد الحقوق داخل المملكة المتحدة عند بيع المصنف في المنطقة الاقتصادية الأوروبية، لكن ليس العكس. ولا يزال احتمال انتقال المملكة المتحدة إلى نظام الاستنفاد الدولي الكامل مطروحًا.
وأشار المتحدث إلى أن مسألة الاستنفاد الدولي تظل محل جدل. إذ يرى المؤيدون أنه يفيد المستهلكين من خلال زيادة توفر المصنفات وخفض أسعارها—وهو ما تبنّته غالبية المحكمة العليا الأمريكية. في المقابل، يرى المعارضون أنه يؤدي إلى تقليص عوائد الناشرين، وبالتالي المؤلفين، ولا يحقق فائدة حقيقية للمستهلكين مقارنة بالأضرار التي قد يُلحقها، كما يُضعف النظم التي تدعم نشر الأعمال في الأسواق المتخصصة.
الكتب الإلكترونية والإعارة الرقمية
تم طرح سؤال محوري في هذا السياق: «هل ينطبق مبدأ استنفاد الحقوق على الكتب الإلكترونية بنفس الطريقة التي ينطبق بها على الكتب المطبوعة؟».
على المستوى الأوروبي، تناولت محكمة العدل للاتحاد الأوروبي هذه المسألة في قضية Tonkabinet، التي تتعلق بشركة هولندية كانت تدير ناديًا لقراءة الكتب الإلكترونية يتيح للأعضاء تنزيل نسخ مستعملة. وقد قضت المحكمة بأن تنزيل الكتب الإلكترونية يندرج ضمن حق الإتاحة للجمهور (المادة 3 من توجيه مجتمع المعلومات)، وليس ضمن حق التوزيع (المادة 4)، مما يعني أن مبدأ استنفاد الحقوق لا ينطبق، وأن أصحاب الحقوق يحتفظون بالسيطرة على تداول الكتب الإلكترونية.
أما في الولايات المتحدة، فقد برزت قضية Hachette ضد Internet Archive، حيث قامت منصة Internet Archive برقمنة كتب مطبوعة وإعارتها رقميًا وفق نموذج «الإعارة الرقمية المقيدة». ولم تعتمد المنصة على مبدأ استنفاد الحقوق كدفاع، بل استندت إلى مبدأ «الاستخدام العادل» المنصوص عليه في قانون حقوق النشر الأمريكي—وهو مفهوم غير موجود في المملكة المتحدة أو الاتحاد الأوروبي. غير أن المحكمة رفضت هذا الدفاع، وامتد الحكم ليشمل الكتب المتاحة بصيغتيها المطبوعة والإلكترونية. كما خسرت المنصة الاستئناف ولم تتابع القضية أمام المحكمة العليا.
وكما في قضية Tonkabinet، فإن النتيجة العامة لهذا الحكم عززت مبدأ الإقليمية في حقوق النشر. ومع ذلك، لو تم قبول دفاع «الاستخدام العادل»، لكانت آثاره امتدت عالميًا، وليس فقط داخل الولايات المتحدة.
الترخيص الجماعي والموسّع
واصل المتحدث حديثه مسلطًا الضوء على دور الترخيص الجماعي، الذي يقوم على منح جهة ترخيص أو منظمة إدارة جماعية (CMO) تراخيص نيابةً عن عدد كبير من أصحاب حقوق النشر أو المرخّص لهم حصريًا، لصالح عدد كبير من المستخدمين.
أما الترخيص الجماعي الموسّع (ECL)، فهو نظام يُخوَّل بموجبه لمنظمة الإدارة الجماعية منح تراخيص ليس فقط لأعضائها، بل أيضًا لأصحاب الحقوق غير الأعضاء. وقد أُدخل هذا النظام في المملكة المتحدة بموجب قانون المؤسسات لعام 2013، ما مثّل توسعًا كبيرًا في نطاق الترخيص الجماعي. وفي هذا الإطار، كان لوزير الدولة صلاحية اعتماد مخططات ECL، غير أن هذا الوضع تغيّر عقب حكم قضائي في قضية فرنسية، حيث كان قانون الاتحاد الأوروبي يمنع تطبيق هذا النوع من الأنظمة.
إلا أنه في عام 2024، أعلنت المملكة المتحدة أنها لم تعد ترى أن وزير الدولة مُقيَّد بمنح تراخيص ECL، وذلك بعد إلغاء أولوية قانون الاتحاد الأوروبي، مما أعاد التأكيد مرة أخرى على مبدأ الإقليمية في حقوق النشر.
الذكاء الاصطناعي التوليدي وحقوق النشر
يتطلب الذكاء الاصطناعي التوليدي—مثل النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) ونماذج توليد الصور—كميات هائلة من البيانات للتدريب، مما أدى إلى تصاعد دعاوى قضائية على نطاق عالمي، حيث يتهم أصحاب الحقوق هذه الأنظمة بارتكاب انتهاكات لحقوق النشر على نطاق صناعي.
وقد استعرض اللورد القاضي ريتشارد أرنولد عددًا من القضايا القضائية التي تعكس هذا الصراع بين أصحاب الحقوق وشركات التكنولوجيا الكبرى، من بينها قضايا تتعلق بشركات مثل Anthropic في الولايات المتحدة، وStability AI في إنجلترا، وقضية GEMA ضد OpenAI في ألمانيا. يمكنك الإطلاع على المزيد من التفاصيل من هنا.
وأشار إلى أن السؤال الأهم—والذي غالبًا ما يتم تجاهله—هو: «أي قانون وطني يجب تطبيقه؟». فهذا لا يُعد مجرد مسألة تتعلق بحقوق النشر، بل يندرج أيضًا ضمن القانون الدولي الخاص. فبحكم الطبيعة العالمية لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن الأحكام الصادرة في دولة واحدة قد تكون لها تبعات تجارية على مستوى العالم، بغض النظر عن موقع الناشرين أو أصحاب الحقوق.
وخلصت المحاضرة إلى أن مبدأ الإقليمية في حقوق النشر يواجه ضغوطًا متزايدة، لكنه لا يزال قائمًا ويؤدي وظيفته. ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحًا بشكل متزايد حول مدى قدرته على الاستمرار في خدمة مصالح صناعة النشر بالكفاءة التي كان عليها في السابق.
الدعم
تم تنظيم هذا الحدث بالشراكة مع اتحاد الناشرين الأمريكيين (AAP)، ووكالة ترخيص حقوق النشر (CLA)، والاتحاد الدولي للناشرين (IPA)، واتحاد الناشرين الأوروبيين (FEP)، واتحاد الناشرين البريطانيين (PA)، وخدمات ترخيص الناشرين (PLS).